غالي .. رجل في وجه الإمبراطورية

غالي .. رجل في وجه الإمبراطورية

”بيتر… مهما يكن لقد دخلت التاريخ“، بهذه العبارة وجه ثعلب العجوز هنري كيسنجر حديثه للراحل الكبير الدكتور بطرس غالي، غداة المعركة التى شهدتها  أروقة الأمم المتحدة، وهددت فيها واشنطن باستخدام الفيتو، ضد إعادة انتخاب المصري والعربي والأفريقي الأول الذي شغل هذا المنصب الدولي رفيع…

كان كيسنجر يري أن غالي قد كسب موقف أدبيا وأخلاقيا في مواجهة جبروت ”مادلين أولبرايت“، التى كرهت الرجل بسبب موقفه من إسرائيل، بعد أن أصدر تقرير مجزرة ”قانا“، وأبان للعالم برمته مقدار الهمجية الإسرائيلية.

رحل الدكتور غالي، والجميع يتذكره بأنه من قال ”لأ“ للإمبراطورية الأمريكية المنفلتة، كما يسميها المؤرخ الكبير ”بول كيندي“، رحل وعلى لسانه هتاف لا يزال يدوي، مزعجا عتاة الإمبراطورية الأمريكية: ”أن كنت قد تكلمت بالردى فاشهد بالردى، وإلا فلماذا تضربني“.

غادر الغالي د. بطرس غالي عالمنا، وترك من ورائه رصيدا أدبيا ومعنويا لرجل من أندر الرجال الذين دخلوا كتاب التاريخ وسطرت أسماؤهم في متن الحق، ورفعوا من عناء مشقة ومشقة شأن الحقيقة مهما كلفهم ذلك.

اعتبر الكثيرون أن الأقدار قد عوضت د. غالي باختياره لهذا المنصب الأممي، بعد أن حيل بينه وبين منصب وزير خارجية مصر لسبب أو لآخر، وأكتفى الرجل بما قدمه، وهو كثير من خلال موقعه كوزير للشؤون الخارجية، رغم أنه أحد أوائل وأساتذة الدبلوماسية المصرية، لكن الأقدار ذاتها كانت له بالمرصاد.

إشكالية د. غالي الحقيقية مع واشنطن تمثلت في أنه كان يفهم جيدا مقدار الزيف الساكن في أطروحاتها، وقد عاش في مكتبه بالطابق السادس والثلاثين بالأمم المتحدة، زمن الترويج لمشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وقد اعتبر وقتها أن الأمر لا يعدو شعارات يطلقها الحكام من أجل مغازلة الرأي العام في الداخل الأمريكي، ودلل على صدقية كلامه بما أعلنه الرئيس الأمريكي ”دوايت أيزنهاور“ عام 1957، عن مشروع جديد للمنطقة لم يختلف كثيرا عن ما حاول ”بيل كلينتون“ ترويجه للعرب والمسلمين.

كان د. غالي عقبة في طريق المحافظين الجدد، والذين كانت خميرتهم قد اختمرت في نهاية التسعينات، ولهذا كان بد من إزاحة الرجل من منصبه، سيما وأنه رافض لفكرة الحرب الوقائية، وعنده أن ميثاق الأمم المتحدة لا يسمح باستعمال القوة إلا في حالتين، الأولي هي قرار مجلس الأمن باتخاذ تدابير عسكرية ضد دولة معتدية، والحالة الثانية تحددها المادة 51 من ميثاق مجلس الأمن والخاصة بالدفاع الشرعي والجماعي إذا وقع اعتداء مسلح على دولة عضو في الأمم المتحدة.

حذر الدكتور غالي أكثر من عقدين من تحلل الدولة بوصفها وتعريفها الكلاسيكي القديم، وأشار إلى أن العالم علي أبواب وعتبات جديدة، حيث ستظهر مؤسسات اقتصادية، وأخرى مجتمعية، تلعب دورا يختصم ولا شك كثيرا من السيادة والهيمنة الخاصة على مساحة جغرافية وعدد من السكان.

متيقظا لأخطاء العولمة التى تقترب من حدود الخطايا في زمن نشر هنتنجتون لمقاله عن ”صدام الحضارات“، كان د. غالي يؤكد على أن العلاقة بين الشرق والغرب في حاجة إلى عمل مستقر لتنقية ذاكرة الطرفين، ولربطهما بإيجابيات آنية ومستقبلية لتغليبها علي ذكريات الماضي، وقد شارك بجهد بالغ في ذلك عبر تأسيس منظمة باسم ”نادي موناكو“ في الإمارة الأوربية الشهيرة، لتعزيز الحوار بين شمال المتوسط وبقية دول أوروبا.

وجهت للرجل سهام نقد وتشكيك في وطنيته، لكنه بقي صامدا، مقتنعا بأن ”ما ينفع الناس يمكث في الأرض“، وقد  اعتبروا أن دوره في زيارة القدس، ملازما للرئيس السادات هو دور خارج عن السياق الوطني، واعتبر الرجل نفسه جنديا مجندا لخدمة الوطن، وللسلام، وقد كان صاحب رؤية سباقة  في تقدير المواقف، وما رفض في أواخر السبعينات، حاول كثيرون لاحقا اللحاق بأقل منه بكثير ولم يوفقوا، وضاعت الفرصة.

اتهم غالي بأنه الوزير القبطي، المتزوج من امرأة يهودية، غير أن القبطي هذا شهد له القادة الفلسطينيون بأنه كان من الرجال الأمجاد الذين دافعوا عن الحق الفلسطيني أيما دفاع، وناضل كثيرا  بشهادة ياسر عرفات للوصل إلى أفضل شروط، لإنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة.

أما عن زوجته التى اعتنقت الكاثوليكية منذ صباها فلا أحد يريد  أن يذكر الحقيقة بشأنها، كما رواها الراحل الكبير لصاحب هذه السطور، في مكتبه بمجلس حقوق الإنسان على ضفاف النيل في العام 2003م.

كان غالي استشرافيا بعيد النظر، كما كان استراتيجيا ماهرا ويكفي أن يحسب له أنه الرجل الذي حذر من إهمال مصر للقارة السمراء.

 كانت أفريقيا عشقه الأول، وليس سرا أن الذي رشحه للمنصب الأممي، كانت دولة القارة الأفريقية منذ زيارته الأولى للسودان في صباه. اعتبر غالي أن حياة مصر في نهر النيل، وعليه  نادى طويلا جدا أنه  يتوجب عليها رسم استراتيجياتها وفقا لهذا التوجه، وهو ما أثبتت الأيام لاحقا بعد أزمة سد النهضة حقيقته.

صرخة الدكتور غالي لا تزال تسمع في جنبات الأمم المتحدة ”طالما بقي العالم مسيطرا عليه من دولة واحدة ولا وجود للتعددية فإنه من أسف شديد لا أمل في إصلاح الأمم المتحدة“.

رحم الله الغالي د. بطرس غالي وألهم مصر الصبر في فقد رجل عالي الهمة غالي القيمة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com