الهدنة في سوريا.. بداية حل أم استراحة حرب؟

الهدنة في سوريا.. بداية حل أم استراحة حرب؟

تاج الدين عبد الحق

من الصعب أن يبني أحد على ”البداية المشجعة“ لوقف الأعمال القتالية في سوريا. لكن تجاهل المعطيات الإيجابية التي تحيط بتلك البداية، قد لا يحفز الأطراف على تطوير التزامها بوقف القتال، والانتقال إلى مرحلة الحل، المنتظر بلورته، في اجتماعات جنيف الرابعة   .

فوقف الأعمال القتالية تم برعاية دولية تمثلت بقرار أممي إجماعي في مجلس الأمن الدولي، ناهيك عن توافق أمريكي، روسي مسبق على هذه الهدنة، وعلى التفاصيل الخاصة بها.

والرعاية الدولية لوقف الأعمال القتالية ليست رعاية برتوكولية، بل رعاية عملية، كون القوتان الراعيتان شريكتين عمليا  في تلك الأعمال، او لديهما، على أقل تقدير،  قدرة التأثير للجم الأطراف التي تحارب بالنيابة عنهما، أو بأوامر منهما .

أهمية الهدنة القتالية، أنها فكت عمليا ارتباط المعارضة السورية المعتدلة التي تحمل مشروعا وطنيا سوريا، والتي ستكون الشريك السياسي في مفاوضات التسوية  المقبلة،  بالجماعات الإرهابية، التي تتبنى أيديولوجية متطرفة تستهدف الإقليم،  وتمتد تطلعاتها إلى ما بعده، والتي باتت، الآن، هدفا مشروعا تحاربه كل القوى الإقليمية والدولية، بغض النظر عن موقفها المؤيد أو المعارض للنظام السوري.

لكن فك الارتباط هذا، لا يشكل إلا جزءا من معادلة الحل السياسي، والتي لا تكتمل، إلا من خلال فك ارتباط النظام السوري بالمليشيات المدعومة من إيران والتي تساند النظام، وهو ما يعني أن تبدأ في موازاة عزل داعش والنصرة، التي تم التوافق على أنها مجموعات إرهابية، عملية سحب للجماعات الطائفية المسلحة التي استقوى بها النظام.

هذا التوازي بين فك ارتباط القوى السورية المعتدلة، بالقوى المتطرفة، وبين سحب المليشيات التي تدعم نظام الأسد من سوريا، يشكل الأساس المنطقي لحوار جدي  فعلي، ولحل سياسي متكافئ.

وإذا صحت التقارير، التي تقول إن التوافق على وقف الأعمال القتالية، وتحديد الجهات التي صنفت كتنظيمات إرهابية، سبقه أو رافقه توافق على أن يلي ذلك،  سحب المليشات التي تدعم نظام  الأسد من سوريا، فإننا نكون أمام مشهد يجعل من الهدنة القتالية بداية ممكنة لإتفاق سياسي، يعيد القضية السورية من فضاء التجاذبات الإقليمية والدولية، إلى حدود الهموم الوطنية .

ولعل الأنباء التي تحدثت عن انسحابات إيرانية من سوريا عشية الإعلان عن اتفاق على وقف الأعمال القتالية، هو مؤشر على مقايضة محتملة، وصفقة متكاملة تم التوافق عليها، وتقضي في النهاية بسحب المليشات التي تدعم النظام، أو تلك التي يستقوي بها .

ومع أن من المبكر التأكد من طبيعة تلك المقايضة وحدودها، إلا أن الواضح أن روسيا، وحدها، هي من يتحكم بمسار المواجهة مع المعارضة السورية، والتعامل معها سياسيا أو الاشتباك معها عسكريا. كما أنها هي من يدير  الحوار مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في مسار الأزمة ومآلاتها، وهذا من شأنه أن يسهل الحوار، ويجنبه مزالق التفاصيل  .

ويبدو أن الميزان السياسي بعد الهدنة القتالية، سيميل لصالح الأطراف الإقليمية الداعمة للمعارضة المعتدلة، والداعية لإسقاط نظام الأسد، فهذه الأطراف تجد نفسها، بعد وقف القتال، متحررة من تهمة دعم الجماعات المتطرفة، التي التصقت بها، إما بسبب التداخل  الميداني بين القوى المعتدلة والمتطرفة في المعارضة السورية، أو بسبب تعثر التوافق  الدولي على تصنيف القوى الإرهابية والقوى المعتدلة.

وفيما تتوضح الحدود الفاصلة بين القوى المعتدلة والمتطرفة التي تحارب الأسد، تتزايد في الجانب الآخر الضغوط لإعتبار حزب الله والمليشات المدعومة من إيران والتي تدعم  الأسد، لتصنيفها هي الأخرى كمنظمات إرهابية. وهذه الضغوط ستسفر إما عن وضعها في خانة التنظيمات الإرهابية التي يحاربها المجتمع الدولي، أو يتم سحبها ليبقى ميدان تسوية الازمة محصور بين النظام، وبين من يحاربه من تنظيمات المعارضة الوطنية.

التطور الميداني الأخير في سوريا، لايزال، رغم بشائر الحل، مثقل بإرث كبير من الاحباطات والخيبات، والواضح أننا لا نزال أمام كثير من الاتصالات، واللقاءات السياسية التي تسبق الجولة الرابعة من مؤتمر جنيف، والمقرر أن تعقد في السابع من شهر مارس، وهي إتصالات ستكشف عما إذا كانت هدنة وقف الأعمال القتالية،  بداية حل، أم استراحة حرب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com