ذا فويس كيدز بين الضوء والظلمة

ذا فويس كيدز بين الضوء والظلمة

وئام غداس

أبهرونا بجمال أصواتهم وحجم مواهبهم، برهافة أحاسيسهم وخفة أرواحهم، بأشكالهم الجميلة وتصرفاتهم التي سبقوا بها أعمارهم الصغيرة، إنهم أطفال ذا فويس الذين كانوا بلا منازع أبطال المشهد التلفزيوني والالكتروني هذا العام وبسرعة قياسية تحولوا إلى نجوم يتابعهم جمهور عريض في العالم العربي، أداءهم خلال الحلقات، أخبارهم، تصاريحهم وكلام المدربين عنهم، هذه الشهرة الكبيرة لم تشمل الصغار الذين استدارت لهم كراسي المدربين في المرحلة الأولى وهي مرحلة ”الصوت وبس“، بل ثمة مشاركين لم يتمّ مرورهم إلى المرحلة الثانية واقتصرت مشاركتهم على الدقائق القصيرة الأولى من الغناء فقط، رغم ذلك اكتسحت فيديوهاتهم مواقع التواصل وكانوا شغل الناس الشاغل واكتسبوا شهرة وانتشارا واسعين، وتم استقطاب كثر منهم للمشاركة في برامج إذاعية وتلفزيونية وحفلات غنائية وغيره..

ما حققه برنامج ”ذا فويس كيدز“ من نجاح وأرقام قياسية في المشاهدات وأصداء كبيرة فاق كل توقعات القائمين عليه، ربما لفرادة وطرافة فكرة استنساخ برنامج يُعني باكتشاف المواهب معروف أنه للكبار، وتحويله إلى نسخة مطابقة ولكن هذه المرة لمواهب صغيرة تتراوح أعمارهم بين السبعة والخامسة عشر، تجاوز كل تقدير وتوقّع، فالنسخة الصغيرة سجلت نجاحا لم تسجله الكبيرة ولاقت متابعة تجاوزت كل برامج الهواة بأشواط، ليس من المشاهد العادي فقط بل من الصحافة أيضا سواء المقروءة أو المسموعة أو المرئية.

يمكن الملاحظة ببساطة اذن أن موجة الاستحسان للفكرة كانت لافتة، ولكن في المقابل هنالك من تنبه لمساوئ مثل هذه المسابقة ومدى ما يمكن أن تخلفه من مشاكل نفسية لدى الأطفال، أنا واحدة من هؤلاء الأشخاص الذين لم يروا نفعا أن يتوجه هذا البرنامج للأطفال، ففي النهاية سيكون هنالك رابح وحيد وعشرات المخفقين، هل يمكن أن يتحمل طفل في السابعة أو العاشرة تجربة الفشل هذه؟ وهل بإمكان طفل أن يستوعب أن الإخفاق مرة لا يعني الإخفاق كل مرة، وأن عدم قبوله في البرنامج ليس مرادفا لنقص في موهبته؟

لا أرى من السهل على نفسية هشة وصغيرة أن تمتصّ كلمة ”لا“، فقد زلزل المشاهدين رؤية انهيار بعض الأطفال الخارجين من المسابقة على منصة الغناء، وبقيت صور بعضهم مجهشين بالبكاء عالقة في أذهان الكثيرين ممن لم ترق لهم الفكرة أو حتى الذين راقت لهم في البداية، وعلقوا بأسف وسخط عن صدمة البعض عندما لم تستدر لهم كراسي المدربين في المرحلة الأولى بعد أن دخلوا المسابقة واثقين من أصواتهم وفجأة جاءت التجربة لتقوض تلك الثقة بلحظة واحدة، لا شيء فيما بعد سيعيد لهم إيمانهم بمواهبهم وان كان فإن ذلك سيحتاج جهداً وكثيرا من الوقت.

منذ طفولتي في الثمانينات كانت الشاشة زاخرة ببرامج الغناء للأطفال، ولقد بدأت نوعية البرامج هذه قبل ذلك بكثير، ما أذكره فقط أنها كانت تكتفي بتقديم طفل مولع بالغناء أو العزف ليظهر موهبته على الملأ وليزيد امتلاء بنفسه وفخراً بها لكنها لم تمرّ مرة إلى التقييم والمحاسبة ولا لإخضاع عقل طفل لعقلية الربح والخسارة، لطالما آمنا في صغرنا أننا أصحاب مواهب خارقة، ثم مع التقدم في العمر اكتشفنا حقيقة بعضها من زيف بعضها الآخر دونما حاجة لأن ننكسر ونحزن قبل ذلك.

على الإعلام أولاً تحمّل مسؤولية التمييز بين ما يصلح للبالغين ولا يصلح بأي حال للأطفال، أطلب منهم إعادة دراسة هذا البرنامج بتدقيق وجدية أكثر، وسوف أذكر الآباء والأمهات أن حماية أطفالهم قد تشمل هذه النوعية من المسابقات أيضاً دون انجراف نحو الأضواء التي قد تخفي وراءها كثيرا من ظلمة اليأس التي لا قدرة لطفل صغير على مواجهتها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com