ديكتاتورية الصور

ديكتاتورية الصور

محمد سناجلة

في كتابه الشهير ”اعترافات روائي ناشئ“ يعترف الروائي والمفكر الإيطالي أمبرتو أيكو أن الكتابة عنده عادة ما تبدأ بصورة أو مجموعة من الصور حيث يضع الرسوم التوضيحية للرواية المزمع تأليفها، ثم بعد ذلك يبدأ في كتابة الفصل الأوّل.

ويعترف إيكو في سياق عرضه لطريقته في الكتابة، أن كل رواية من رواياته كانت حاصل صورة تملّكته. فرواية ”اسم الوردة“ عبّرت عن تعلّقه بصورة راهب تسمّم وهو يقرأ كتاباً. أما في ”بندول فوكو“، فكانت هناك صورتان عالقتان في ذهنه. الصورة الأولى خاصة ببندول ليون فوكو الذي رآه أوّل مرة منذ أكثر من ثلاثين سنة في باريس وأثار دهشته. أما الصورة الثانية فهي صورته وهو يلعب بآلة الترومبيت في مراسم دفن مقاوم إيطالي.

لست أدري لماذا تذكرت وأنا أقرأ هذه الاعترافات قول الحكيم الصيني كونفوشيوس قبل نحو ثلاثة آلاف سنة حين قال: أن صورة واحدة أبلغ من ألف كلمة.

ربما كانت هذه الأقوال مبالغا فيها في زمن سابق حيث لم تكن هناك محطات فضائية ولا إنترنت ولا وسائل تواصل اجتماعي، ولا هواتف ذكية لكن مع الثورة الرقمية أصبحت هذه الأقوال أقل بكثير من الحقيقة.

الغالبية العظمى من البشر في العصر الرقمي تتلقى علومها ومعارفها، وتبني بالتالي وجهات نظرها من الصور… أصبح للصور حضورا طاغيا على شتى مناحي الحياة، وتراجع زمن الكلمات، اللغة السابقة المعروفة أخذت تواجه الخطر، بل وتتحول ليبدأ ميلاد لغة جديدة تعتمد على الصورة والحركة بالدرجة الأولى.

ولعل أخطر تجليات الزمن الجديد ”الزمن المشهدي“ يظهر في وسيلتين جديدتين تماما أخذتا تغيران شكل العالم وطرق نقل المعرفة والمعلومة حيث تتنحى الكلمات، تصبح أقل أهمية، ومختزلة جدا إلى حد التلاشي.

الوسيلة الأولى هي ”الهواتف الذكية“: التي انتشرت خلال سنوات قليلة جدا كالنار في الهشيم، لدرجة أصبح فيها عنوان الإنسان هو هاتفه الذكي ومقدار الخصائص والميزات التي يحتويها. لم يعد أحد تقريبا يستخدم الكمبيوتر المنزلي أو اللابتوب في تصفح الشبكة وتلقي المعلومة، صرنا جميعا نتصل بالشبكة عن طريق الجوال، نقرأ آخر الأخبار ونطلع على أحدث المستجدات في العالم عن طريقه. الانترنت بشكلها القديم انتهت أو هي في طريقها للانتهاء، صار الجوال هو الانترنت.

وحتى ندلل على مدة انتشار وخطورة هذه الهواتف يكفي أن نذكر أن عدد الهواتف الذكية المنتشرة في العالم يفوق عدد سكانه وذلك عام 2013 ، هذا يعني ان عدد الهواتف المحمولة المنتشرة في العالم يزيد عن 7 مليارات هاتف، أما عدد الهواتف الذكية منها فسيصل إلى أكثر من 2 مليار هاتف عام 2016 كما تؤكد دراسة جديدة صدرت قبل أيام من شركة الأبحاث emarkter وأن الهواتف الذكية ستواصل نموها لتمثل الغالبية العظمى من الهواتف المحمولة في جميع أنحاء العالم بحلول عام 2018.

كما أكد 84% من الناس أنهم لا يمكنهم الذهاب لعملهم أو الخروج من المنزل بدون هواتفهم المحمولة.

نعم لهذه الدرجة وصل الأمر، والسؤال الأهم ما هو تأثير ذلك على اللغة، على الكتابة، على الصحافة. هل يستطيع الإنسان أن يقرأ على شاشة هاتفه المحمول خبرا يزيد عن 100 كلمة مثلا؟

نحن في زمن الشاشات المكثفة، في زمن الاختصار، في زمن الإيجاز، في زمن الصور، بعيدا تماما عن زمن ثرثرة الجدات.

وقد انعكست الوسيلة الأولى على الوسيلة الثانية، وهي ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نجد أن عدد الحروف المسموح فيها في تويتر مثلا لا يزيد عن 140 كاراكتر (أقل من 120 حرفا)، والتغريدة التي لا تحتوي على صورة لا تلقى أي أهمية. أما أنستغرام فهو مخصص بالكامل للصور، ولا كلمات فيه، بينما نجد أن يوتيوب مخصص بالكامل للفيديو ودون كلمات أيضا…

ترى إذا كانت أشهر مواقع التواصل الاجتماعي في العالم، والأكثر استخداما بين الشباب العربي لا تسمح باستخدام إلا عدد محدود جدا من الكلمات، وتعتمد على الصورة والفيديو فقط فأي شيء بقي من عصر الكلمات.. بل أي لغة جديدة تولد.

إن الكلمات مهمة، ولكنها ليست الأهم في الإعلام الجديد، في الأدب الجديد، في الزمن الجديد، الصورة أهم منها، والفيديو أهم منها، والانفوجرافيكس أهم منها، الكلمة غدت جزءا من كل، والأديب أو الصحفي الرقمي هو الذي يفهم طبيعة المتصفح (القاريء) الرقمي والإنسان الافتراضي بطل هذا العصر الجديد.. إنه زمن مشهدي جديد أيها السادة.. إنه زمن ديكتاتورية الصور.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com