اتجاهات

سابراك.. تجربة عربية جديدة
تاريخ النشر: 14 فبراير 2016 8:53 GMT
تاريخ التحديث: 14 فبراير 2016 9:40 GMT

سابراك.. تجربة عربية جديدة

العلاقات الأميركية - السعودية ضاربة جذورها في حقول التعاون المشترك منذ عقود طوال، وقد كان للمملكة صوت مسموع عند كافة الإدارات الأميركية منذ منتصف القرن العشرين وحتى الساعة.

+A -A
المصدر: إميل أمين

حملت إلينا الأخبار الأيام الماضية ما يفيد بقرب انطلاق لجنة ”شؤون العلاقات العامة السعودية الأميركية“ ”سابراك“ في الولايات المتحدة الأميركية، لتكون بمثابة نواة فاعلة لجماعة ضغط ”لوبي“ تدعم قضايا المملكة في مواجهة ما أطلق عليه ”ديفيد بولوك“ زميل كوفمان ومدير منتدى فكرة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في واشنطن“ جنون التهجم“ على المملكة العربية السعودية، لاسيما في هذا التوقيت حيث البوصلة الأميركية يكاد يصيبها الاختلال في مقارباتها بين الحلفاء الذين أثبتوا بالتجربة والبرهان مصداقية وفاعلية تحالفاتهم مع العم سام، وبين رهانات إقليمية مغشوشة قلباً وقالباً، وهو ما ستثبته الأيام للأميركيين.

لحسن الحظ فإن القوانين الأميركية تنظم مساأة جماعات الضغط وتضفي عليها طابعاً قانونيا، طالما تمتعت بالشفافية والنزاهة، وللأميركيين مسيرة طويلة مع تلك الجماعات، وفي مقدمتها اللوبي الداعم لدولة إسرائيل، واللوبي الإيرلندي، حتى الصينيون استطاعوا أن يقيموا لهم جماعات تدعم مسيرتهم القطبية، وينبغي الاعتراف كذلك بأن الإيرانيين قد نجحوا بدرجة أو بآخري في التواصل مع فئات أميركية نافذة من كتاب وإعلاميين  وسياسيين، وهو أمر اقتضي منهم عملا شاقا وممنهجا طوال عدة عقود.

هل “ سابراك“ هي بداية العمل الدبلوماسي السعودي الفاعل في العلاقة مع واشنطن؟

 بالقطع يمكن القول: إن العلاقات الأميركية – السعودية ضاربة جذورها في حقول التعاون المشترك منذ عقود طوال، وقد كان للمملكة صوت مسموع عند كافة الإدارات الأميركية منذ منتصف القرن العشرين وحتى الساعة، وقد استطاعت تلك الدبلوماسية وفي أوقات الملمات تحديدا، تجنيب العالم العربي الكثير من الشرور التى كانت تحاك له، وليس كل ما يعرف يقال، لاسيما في  الكواليس الخلفية للسياسات الدولية.

ما الذي يمكن أن يميز “ سابراك“ إذن؟

 أفضل ما قاله المحلل السياسي السعودي، سلمان الأنصاري“، القلب النابض لهذا الطرح الخلاق الجديد، هو أن المجموعة تسعي للوصول إلى المواطن الأميركي وتثقيفه حول كافة القضايا الخاصة، بشأن العلاقات السعودية الأميركية خاصة، والشئون العربية عامة.

هنا ينبغي تفكيك الحديث، فالحكومات تستطيع التواصل، والمجال في الولايات المتحدة مفتوح للتعاطي مع صناع القرار سواء من رجال السياسة أو الأعلام، وبخاصة في ظل ما هو معروف عن الديمقراطية الأميركية، بوصفها الأنموذج الحي لما يمكن أن تفعله ”رؤوس الأموال“، والتبرعات في توجيه دفة الأحداث السياسية، عطفا علي الفهم الواعي للدور الذي تلعبه جماعات الضغط الأخرى وفي مقدمتها، صناع الأسلحة“، ومروجوها وبائعوها، حول العالم.

غير أن ما ينقص جماعة ضغط سعودية أو عربية حتى الساعة، هو حاضنة شعبية أميركية حقيقية، وهنا التحدي الحقيقي، لاسيما وأن غالبية الشعب الأميركي رقيق الحال ثقافيا وفكريا، في معرفته بالعرب، ويعيش في الآونة الأخيرة، وبخاصة منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 حالة من حالات الأسر للاسلاموفوبيا البغيضة.

لعل المهمة الكثرى جسامة الملقاة علي عاتق “ سابراك“ ، تتمثل في ضرورة بل وحتمية التواصل البناء والممنهج بعقلانية مع المواطن الأميركي غير المؤدلج، والبعيد عن العنصرية، والعمل علي إنهاء الأسطورة المهيمنة علي العقلية الأميركية، والتي تري في العرب ”قطيعا واحداً، شبابا وشيوخا، رجالا ونساء، وهي الذهنية التى روجت لها كتابات البعض من أمثال، رفائيل باتاي“ في عمله عن ”العقل العربي“، أو ”توماس فريدمان“، عندما كتب عن ”قواعد الشرق الأوسط“.

الأمر الآخر هو فهم نمط الحياة الأميركية بوصفها ”بوتقة انصهار“، وعليه فلا يمكن التعاطي مع الأميركيين بنفس الأدوات العربية، أو الشرق أوسطية التقليدية، وأفضل من يمكن له أن يلعب دورا مؤثرا ومحوريا في خلق مفاهيم ومقاربات جديدة وجدية مع الأميركيين اليوم، الجيل الثاني للعرب والمسلمين، الذين ولدوا ونشأوا بين الجدران الأميركية، مع احتفاظهم بخصوصياتهم الدينية وهوياتهم الثقافية، دون تمايز أو استعلاء، وبلا استغناء أو إقصاء للآخر، وربما تكون المهمة الأولي لهؤلاء إنهاء حالة القطيعة الفكرية بين الأميركيين والعرب، فقد روج كثير من المرجفين والمعادين للعرب أن الناطقين بالضاد يحملون كراهية مجانية لنموذج ونمط الحياة الأميركية، ولهذا ”هم يكرهوننا“، وهو قول مدسوس ومغلوط وتصحيحه يفترض الإشارة وبوضوح للأجيال العربية الشابة المعجبة بالمدنية والتقدم التكنولوجي الأميركي، وبنموذج الحريات والديمقراطيات، تلك الاجيال التى تنظر نظرة مليئة بالاحترام لدستور الآباء المؤسسين بما فيه من حريات ومساواة، وإن باعدت السياسات الأميركية لاحقا بينها وبين هذا الأنموذج ”لمدينة فوق جبل“.

خلق حاضنة شعبية لصالح المملكة في الولايات المتحدة أمر يقتضي توثيق أواصر الصلة مع رجل الشارع الأميركي والذي تتحكم في مقدراته -بلا شك- وسائل الإعلام، ووسائط التواصل الاجتماعي؛ ما يعني أنه ما من جماعة ضغط فاعلة في الحال ومؤثرة في الاستقبال، دون رؤية إعلامية، ذات مصداقية، دون تهوين أو تهويل، تشرح ولا تجرح، وتوفق ولا تفرق، ونبراسها هو العمل الإنساني، وقد قدم لنا ”مارتن لوثركنج“ مثلا فاعلا، عندما خاطب الضمير الأميركي المنزه عن أدران العنصرية، خطابا إنسانيا تفهّمه الأميركيون لاحقا، وإن ظل بعضهم علي عناده التاريخي العنصري.

الحقيقة التى لا مراء فيها أن هناك مصالح مشتركة عليا تبقي قائمة بين واشنطن والرياض، وقد أثبتت العقود المنصرمة أن المملكة حجر زاوية مهم للغاية للاستقرار في الشرق الأوسط، وقد حان الوقت لدعم هذا الدور، بأصدقاء وحلفاء حقيقيين في الداخل الأميركي، من بين المواطنين الأميركيين أنفسهم، وبعيدا عن شركات العلاقات العامة التى لا تتوخي إلا تعظيم أرباحها في نهاية العام.

لن تخلو واشنطن أبدا من أولئك الذين يقومون بتعريفك ورسم صورتك إن أنت تقاعست عن تعريف نفسك … تلك حقيقة مؤكدة حان إدراكها.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك