لبنان يعود إلى المربع الأول

لبنان يعود إلى المربع الأول

موفق حادين

إلى ما قبل ما عرف بالحرب الأهلية الأولى بين الدروز والموارنة في القرن التاسع عشر وتم توصيفها من قبل البعض كحرب بين الاقطاع الدرزي والفلاحين الموارنة (كان قسم منهم قد انتقل من سوريا إلى جبل لبنان).

كانت مناطق لبنان الأخرى جزءا من ولايات دمشق و حلب أو ولايات أو متصرفيات مثل صيدا وطرابلس وبيروت .

وكان لبنان الجغرافي آنذاك يتوزع بين ثلاثة جبال ، الشوف ، والمتن ، وعامل (الدروز – الموارنة – الشيعة)، بالإضافة للمناطق الساحلية والسهلية الموزعة على الولايات والمتصرفيات المذكورة أو المسكونة في غالبيتها من (السنة).

وقد ظل لبنان بسبب ذلك محكوما لمحاصصات مذهبية بإدارة عائلات محددة مما سمح للمراكز الأجنبية (فرنسا وبريطانيا وتركيا) للتحكم في كل ما يتعلق بهذا البلد ، فادعت فرنسا حمايتها للموارنة وطورت بريطانيا علاقاتها مع أهل السنة والدروز ، وكانت تركيا أضعف اللاعبين في مرحلة انهيارها (الرجل المريض).

وكان ملاحظا أن (الارثوذكس) أكثر مرونة من غيرهم وانخراطا في الحركة القومية مما يفسر ظهور معظم رواد هذه الحركة من صفوفهم ..

ولم يتحسن وضع لبنان كثيرا في القرن العشرين بالرغم من الاقتطاع المتزايد من الأراضي التابعة لسوريا التاريخية وضمها الى لبنان ، سواء في عشرينيات القرن او عبر صيغة الاستقلال بعيد الحرب الثانية.

فقد ظلت المحاصصات وهيمنة العائلات داخلها هي جوهر هذا البلد ، مما افقده شروط التحول إلى دولة مدنية ولم يكن غريبا ، أن تسمح هذه البيئة باختراقات أجنبية واسعة ولا سيما خلال النسخ الجديدة مما يوصف بالحرب الأهلية ، 1958و 1975 التي اتخذت ايضا طابع الصدام بين المعسكرات المعروفة خلال الحرب الباردة .

وفيما ظلت امريكا وفرنسا والسعودية على رأس المعسكر الأول ، تناوبت القاهرة ودمشق مع موسكو ثم طهران مكانتها في المعسكر الثاني ، ولم تظل الاصطفافات اللبنانية نفسها على نسق واحد:

فمن عبد الناصر الى ياسر عرفات الى تيار المستقبل والسعودية (السنة) ومن أكثرية مارونية في المعسكر الفرنسي – الامريكي إلى تيارات مستقلة (عون وفرنجية) .

ومن انقسام الشيعة بين الأسعد (الزعامة الاقطاعية) وبين الشيوعيين والمقاومة الفلسطينية إلى حزب الله و حركة أمل.

ولاتزال زعامة الدروز في البيت الجنبلاطي الى جانب ارسلان وزعامات جديدة مثل وهاب.

وفي كل الأحوال ، ظلت الأحزاب اليسارية والعلمانية العابرة للطوائف هي الأضعف بل إنها فقدت جانبا من زخمها التاريخي (الشيوعي والقوميون السوريون) ، وكان طبيعيا أن يشهد لبنان العدد (الأوفر) من الأحداث والحروب والاغتيالات (مقتل رئيسين للجمهورية وثلاثة للحكومة : معوض والجميل، والصلح وكرامي والحريري) .

ولم تكن جميعها بالإضافة للاعتداءات (الاسرائيلية) 1982 و 2006 بعيدة عن السياقات الدولية والاقليمية وتداعياتها وتصفية الحسابات المتعلقة بها .

وكان على لبنان بعد سنوات من الحرب الأهلية واستحقاقاتها الخارجية كما بدأت عام 1975 ، أن ينتظر طويلا قبل الوصول الى اتفاق الطائف الشهير الذي اعتبرته أوساط مارونية على حساب ميثاق الاستقلال الذي اعقب الحرب الثانية، وكرس تقاسما للسلطة بين الموارنة في رئاسة الجمهورية وبين السنة في رئاسة الحكومة وكان في حقيقته انعكاسا لتفاهم برجوازية الشام السنية مع الاستعمار الفرنسي.

وهو ما ادى الى امتعاض الكتلة (الدرزية) التي حكمت جبل لبنان عقودا طويلة وكذلك الطائفة الشيعية التي تتساوى مع السنة من حيث النسبة السكانية (للمسلمين).

وستمر سنوات طويلة على توقيع (الطائف) قبل ان يعيد التاير الوطني الحر بزعامة الجنرال العائد من فرنسا (عون) خلط الاوراق ، باغلاق ملف العداء السابق مع دمشق بعد سحب قواتها من لبنان ، وبتوقيع اتفاقية تفاهم (تاريخية) مع حزب الله.

وكان ابرز شكل لخلط الأوراق المذكور ، هو مطالبة عون بمراجعة اتفاق الطائف وإعادة الصلاحيات لرئيس الجمهورية ، ومن ثم ترشيحه للرئاسة لضمان ذلك .

وهو ما ترافق أيضا مع صعود قوة حزب الله (الشيعي) ومع تبني قوى عديدة لقانون انتخبات برلمانية على اساس النسبية مما يضعف تلقائيا قوى عديدة بينها تيار المستقبل وحلفاء السعودية وتأتي أهمية ذلك من كون الرئيس في لبنان ينتخب من قبل البرلمان نفسه.

ومع انتهاء مدة الرئيس السابق ( ميشال سليمان) دخل لبنان أزمة انتخاب مستعصية ناجمة عن ( خرق واضح) لعرف المحاصصات التاريخية (الكتلة الشيعية الكبر تختار رئيس مجلس النواب ، والكتلة السنية الأكبر تختار رئيس الحكومة ، والكتلة المارونية الأكبر تختار رئيس الجمهورية ) .

فقد تحفظت جماعة 14 آذار على ممثل أكبر كتلة مارونية وهو الجنرال عون ورشحت سمير جعجع ، أبرز أعداء سوريا وحزب الله، وهو أيضا احد أهم معاوني بشير الجميل قبيل مقتله بتهمة التعاون مع (اسرائيل) ، وجاءت المفاجأة التالية بتغيير جماعة 14 آذار (كتلة الحريري والكتائب وجعجع وجنبلاط)للمرشح السابق وطرح اسم سليمان فرنجية الذي يتهم جعجع بقل عائلته (والده ووالدته وابنتهما) وبقتل رئيس الوزراء السابق ، رشيد كرامي.

أما المفاجأة الكبرى ، فكانت بترشيح جعجع نفسه للجنرال عون المدعوم من حزب الله.

ومن بين القراءات المختلفة لتشخيص هذا الانقلاب ، فالأرجح أن (المزاج المسيحي) في أغلبية نوابه المحسوبين على عون وجعجع قرر كما يبدو الخروج من لعبة الترشيحات الاسلامية للمرشح الرئاسي الماروني (كتلة المستقبل المقربة من السعودية التي رشحت جعجع ثم فرنجية، والكتلة الشيعية المقربة من ايران التي رشحت عون).

ومن المؤكد أن شبه الاجماع المسيحي يحتاج إلى مباركة البطرك وباريس معاً، وكان لافتا للانتباه في الخطوة الخيرة ليس تنازل جعجع للجنرال، بل تراجعه عن التزامه السايق باتفاق الطائف وتبنيه لشعار عون حول المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

وهو ما يعني ان لبنان عاد فعلا الى المربع الاول لما قبل الطائف مع تبدل كبير في المعادلات الداخلية، فالكتلة الشيعية ولا سيما كتلة حزب الله لم تعد في الخندق السابق الذي ميز الحرب الاهلية 1975 .

بالإضافة لكل ذلك ، وفي جردة حساب لأبرز الخاسرين من اللعبة الأخيرة ، فهم كتلة المستقبل والحريري ، وجنبلاط وبري ، أي الكتلة الأكبر عند السنة والدروز والكتلة الثانية عند الشيعة ، والأوساط المسيحية في 14 آذار بالإضافة لفرنجية من 8 آذار

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com