أسطورة الوجود والعدم – إرم نيوز‬‎

أسطورة الوجود والعدم

أسطورة الوجود والعدم

غادة خليل

ما أجمل أن تقع بين أيدينا رواية تخاطب وجداننا في زمن أصبح فيه السرد هو العنوان العريض لمكتبتنا العربية..

كاتبها ينتمى إلى مدرسة السهل الممتنع فى الكتابة، لكنه على مستوى الحضور الأدبى بركان من الموهبة والفكر المختلف الذي استطاع أن يترك بصمة لا يمكن محوها بسهولة..

أقصد بكلماتي هذه الكاتب الشاب أحمد عبد اللطيف الذي فاز مؤخرا بالجائزة الأولى لمؤسسة ساويرس عن روايته “كتاب النحّات” التي يطرح فيها تساؤلات متتالية حول فكرة الخلق، بالطبع دون الانزلاق في متاهة اختراق التابوهات أو حتى تبني أيديولوجيا دينية محددة.

يقرر أحمد عبد اللطيف أن يكون بطل روايته نحات شاب متوحد وجد نفسه في جزيرة مجهولة خالية من البشر، فيبني عليها عالمه عبر تماثيل يصنعها من الطين لأشخاص مروا بالفعل في حياته، فتدب فيها الحياة، وتتحول الى كائنات شبه بشرية تصارع من أجل البقاء. يقول أحمد على لسان البطل في رواية كتاب النحات:

“أشكّلُ تمثال أمي أولا، بيد ثابتة وقلب مرتجف. أخلط مع الطين ذكريات تعتليها ضحكات نادرة وشرود دائم. أصنع جسدا متماسكا ومنتصباً. أجعل أمي في أوج جمالها. شابة عشرينية كما يليق بها. أنزع عن وجهها خطين ظهرا حول أنفها في صورتها الأخيرة. لأمي نظرة زرقاء، خاصة، كأنها تستشرف المستقبل أو تنظر إلى العدم…”

ومن الواضح ان الكاتب استفاد من خلفيته المهنية كصحفي من خلال بساطة الجمل ووضوحها مع الاحتفاظ بجماليات البلاغة. فيقول فى موضع آخر يختصر فيه ما آلت اليه البشرية:

”بلغني أن الأقوام تبدّلتْ دون أن تتبدل الأرض وأن الأجساد اختفت دون أن تختفي نقائصها وأن السماء فاضت بأمطارها والأنهار سالت بمياهها فغسلت الدماء دون أن تغسل النفوس للأبد ثم كان البدء على بياض، ولأن بقاء الحال من المحال ولأن السلم ضرب من الخيال ولأن الإنسان لا يهدأ له بال ظهرتْ المعابد وتعددت الآلهة وتناحر الأتباع والمريدون دون أن يعلموا أنها أسماء متعددة لنفس الكيان وأن الحب قد يهدم الكون مثلما تهدمه الضغينة فانقسموا من جديد وأطلقوا على أنفسهم أسماء ومسميات وارتدوا ثياباً تميزهم عن الآخرين وصار البقاء للأقوى شريعتهم وحمل السيوف غايتهم وقتل الأبرياء طريقتهم للتقرب لإلههم ولأن حب الإله بلا بصيرة نكبة تحولوا لمحض قطيع تجمعهم عصا وتفرّقهم عصا فمن مسك بالعصا صار سيدهم ومليكهم واحتل مكان إلههم دون أن يدروا وهنا جمعتْ الفرقاءَ المصالحُ حيناً وفرّقهم النفور أحياناً. ثم حدث يا نحاتي الطيب ما كان يجب أن يحدث غير أنه حدث متأخراً كعادة كل الأشياء العظيمة، فظهر قوم يهدمون الأصنام ويمقتون الرياء ويدعون لحفظ الإله في القلوب دون أن تُلوث سمعته ودون أن تُراق الدماء باسمه، وسار هؤلاء بجانب أولئك لأجل غير معلوم.“

هنا نحن في مواجهة مباشرة مع تجربة مختلفة مكتوبة بحبر الحيرة والتساؤل، فالهواجس التي تشغل ذهن النحات هي أسئلة تتعلق بالوجود. قد تبدو احيانا تساؤلات غريبة للبعض، لكن من المؤكد أننا أمام عمل و تصوير مبدع وبراعة خيالية مدهشة، فيقول:

“ أتساءل وأنا أتجول حول المنحوتات، كيف يمكن أن نرى الكمال في النقصان؟ كيف يفرض الغائبون سطوةً لم تكن لهم في وجودهم؟ التماثيل المرصوصة بجوار بعضها يُمكن أن تلخّص حياتي السالفة، رغم أن عالمي كان أكثر زخماً بكثير. الذاكرة في نهاية الأمر تحتفظ بما تريد دون إرادة منا. ليس لها شروط يمكن التقيد بها. مشهد قصير قد يغزونا ويحتل مكاناً بارزاً دون أن نستطيع تجنبه، ومشاهد طويلة قد تغيب للأبد. عابرون يحفرون أمكنتهم بداخلنا بينما مستقرون يسقطون في هوة النسيان…”

وفي موقف آخر يقول:

“أتحسس وجهي الذي أظنه متغضناً، وبين الخطوط يسير بشر شكّلوه مع خطوات الزمن. أتساءل وأنا أجلس أمام صفحة ماء مضطربة، كيف لا يكون لألم الإنسان عمر؟ كيف لا نبلغ سناً يكف فيه الألم عن أن يحاصرنا؟ أو نبلغه فيكون الألم على مسافة منا؟”

باختصار، أحمد عبد اللطيف نموذج مختلف للكاتب المفكر الذي لا يكتفي بجماليات اللغة والسرد، وانما يذهب الى ما هو أبعد من ذلك، فإذ به روائي من طراز يملك قدرة غريبة على ترك بصمة مختلفة لدى القارئ. فى صفحات الرواية تستوقفك كلمات الكاتب وهو يقول :

“أنظر لتماثيلي الطينية وأفكر، ما من خلود لها ما لم تكن مصحوبة بحكايات عنها. التمثال الذي لا يحمل صاحبه حكايةً آسرة سيكون محض حجر أصم. النحت والكتابة وجهان لنفس العملة، جسد وروح. ما من ذكرى تأتي إلا بصحبة عبارة. كلنا، في نهاية الأمر، محض عبارة مستقرة في ذهن أحد. لهذا جئتُ إلى هنا بأوراق سأخط فوقها حكايات لأصحاب صوري. لن أستطيع، ولا أريد في الحقيقة، أن أحكي حيواتهم، سأثبّتُ عينيّ فحسب على المشاهد التي كلما ذكرتهم جاءتني، حتى لو كانت محض حكايات خيالية”.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com