هذا النفاق المقيت!

هذا النفاق المقيت!

يوسف ضمرة

الوقاحة السياسية الصهيونية ليست جديدة. وخطاب محمود عباس ليس جديدا. كل شيء هادئ في فلسطين، سوى دم الفلسطينيين الرافضين، الذين نفضوا أياديهم من الدعم العربي، ومن سلطتين سياسيتين بائستين.

نتنياهو لا يريد لسلطة أوسلو أن تنهار، فيقابله عباس بطمأنته على بقاء السلطة. نتنياهو لا يريد انهيار السلطة حقا، ولأكثر من سبب؛ فالتنسيق الأمني يريح الكيان الصهيوني إلى حد كبير. وثورة السكاكين والسيارات لن تستمر كما هي إلى الأبد، إذ لا بد أن تتغير التكتيكات الشعبية الفلسطينية. فإعدام الشباب كل يوم لا يريح الفلسطينيين إلا حين يكون الثمن كبيرا، وإن كان حقا يزعج الكيان. ومقولة أن علينا أن نعكر حياة المحتل صحيحة بالطبع، ولكن القبضة الأمنية الفلسطينية تشكل عائقا ليس بسيطا.

الكل يتحدث عن مصالحة بين فتح وحماس. يا إلهي كم أصبحت هذه الدعوة سمجة وممجوجة! فما الذي سيتحقق بالمصالحة؟ نحن أمام طرفين يلتقيان في نهاية المطاف مصلحيا، وإن بدا أنهما يختلفان أيدلوجيا.

لقد تمكن الكيان الصهيوني من حصار مليوني فلسطيني في قطاع غزة، وساعده في ذلك أكثر من طرف؛ بعض الفلسطينيين وأغلبية العرب والجدار الأمريكي القائم قبل جدار الصهاينة العازل.

ليست أمريكا معنية بالدم الفلسطيني الذي يراق أمام بصر العالم كله. وهي في ذلك تنسجم مع ذاتها التي تتقبل قتل مليون عراقي ومئات آلاف الليبيين والسوريين. أما السلطة الفلسطينية، فيكفي أنها تظهر للعالم ميلها للسلام والتآخي والتعايش، لكي تظل مقبولة من دهاقنة البيت الأبيض والإليزيه و10 داوننغ ستريت. فماذا يعني أن نصر على مقاومة سلمية لا شكل لها ولا دعم؟ وماذا تعني المقاومة السلمية في هذه الظروف التي يتم إعدام شبابنا بدم بارد، ولمجرد الشبهة فقط؟ لا شيء.. أجل، لا شيء البتة.

المطلوب من السلطة الفلسطينية أولا وقبل أي موقف نُبدي فيه للعالم ملامحنا الطيبة والبريئة، هو أن توقف التنسيق الأمني مع سلطة الاحتلال؛ أن تكف عن ملاحقة الشباب الفلسطيني والتعاون في هذا السياق مع أجهزة الأمن الصهيونية، لا أن تتباهى بهذا التنسيق. وهو مطلب يسبق أيضا المصالحة بين فتح وحماس، ويسبق الحديث عن الأنفاق والانتخابات التشريعية وما إلى ذلك. فعن أي انتخابات نتحدث الآن؟ هل نريد أن نبدي للعالم ديمقراطيتنا الجميلة؟

يبدو أن الكثيرين ممن هم في موقع القيادة الفلسطينية، لا يدركون أننا ندرك أن شعبنا الفلسطيني يئن وجعا تحت احتلال عنصري لا مثيل له عبر التاريخ.

لقد كتبنا هنا بعض ما قاله الصحافي الصهيوني الشهير جدعون ليفي، المحسوب على اليسار!

وما لم نشر إليه في محاضرته في واشنطن، هو ما قاله عن ثلاثة أنظمة في الكيان الصهيوني؛ نظام للإسرائيليين، ونظام للإسرائيليين الفلسطينيين، ونظام للفلسطينيين تحت الاحتلال منذ العام 67 . وربما نقسم هذا النظام الثالث إلى قسمين: واحد في الضفة، والثاني في قطاع غزة.

إن كل هذا الحرص على السلطة الفلسطينية، لا يوفر للفلسطينيين حياة شبه محترمة أو كريمة. ولا يمنع الصهاينة من ممارسة أشكال القمع والتنكيل والعقاب الجماعي وهدم البيوت وبناء المستعمرات. إنها سلطة تنتظر من العدو أن يتعطف ويوافق على إجراء مفاوضات فقط سلطة تنتظر شيئا مما يجمعه الكيان الصهيوني من ضرائب على الفلسطينيين. أما في غزة المحاصرة، فقد أصبح الأمر مجرد فنتازيا لا مثيل لها. فلا أحد يعرف ماذا ينتظر الغزيون أو حماس في غزة؟ لقد استنسخت حماس من العرب حالة اللاسلم واللاحرب التي تعرفها أجيال عربية. صحيح أن“حماس“ تقاوم أي اعتداء صهيوني وتصمد. لكنه صحيح أيضا أنها وضعت نفسها في مأزق، ساهم العالم العربي في تصميمه وإخراجه، وساهمت حماس نفسها في ذلك أيضا.

إن ما تمنحه السلطة الفلسطينية من صكوك غفران للصهاينة، وصكوك تنازل عن فلسطين التاريخية، واعترافات مخجلة تتضمن منع مقاومة العدو، وتنازل عن السردية الفلسطينية كلها، لن يخرج الاحتلال من أي شبر فلسطيني. ويكفي هذا النفاق للمجتمع الدولي الذي لا يقدم ولا يؤخر شيئا، طالما كانت واشنطن هي الممسكة بعصا القضية الفلسطينية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة