إسرائيل وثورة الخوارنة

إسرائيل وثورة الخوارنة

إميل أمين

في الوقت الذي كان فيه البابا فرانسيس بابا الفاتيكان يمضي في زيارة كنيس روما, في إشارة لا تخطئها العين على نوايا الرجل في أن يسود السلام العالم, ويحل الوئام مكان الخصام, كانت الأيادي العنصرية المتطرفة في الداخل الإسرائيلي توجه الطعنات الأدبية والمادية للمسيحية والمسيحيين في قلب زهرة المدائن، القدس الشريف … ما الذي جرى وكيف ولماذا جرى ؟

صباح السابع عشر من يناير كانون الثاني الجاري استيقظ مسيحيو القدس على عبارات سوداء, مليئة بالكراهية مرسومة على جدران بعض الكنائس والاديرة في المدينة القديمة, عبارات من عينة “ الموت للمسيحيين الكفار أعداء إسرائيل ”، “ انتقام أبناء إسرائيل سيأتي“،“فليمح اسمه وذكره“، إرسال المسيحيين إلى جهنم“، “ اجتثاث الأصنام“ .

هل هذه المرة الأولى التي توجه فيها لمسيحي الأراضي المقدسة تلك الإهانات؟

الجواب يحتاج إلى رؤية في واقع الأمر أبعد من أن تكون تاريخية, إنه يحتاج إلى نظرة ذات بعد عقائدي ديني “ ثيؤلوجي“, من خلالها نعرف كيف تنظر اليهودية للمسيحية, دون مواراة أو مدارة, حيث إنهم يلقبون السيد المسيح حتى الساعة بأنه المشنوق ابن النجار, وأن والدته- التى اعتبرها القرآن الكريم مفضلة علي نساء العالمين – قد حملت فيه سفاحاً من جندي روماني, ولهذا يبقي التعبير لديهم منذ سنة 33 ميلادية وحتى الساعة “ فليمح اسمه وذكره “ .

هل تحقر اليهودية الإسرائيلية المسيحية إلى أبعد من ذلك ؟

يعتبر المسيحيون في ست قارات الأرض ”الصليب“ رمزاً لهم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بصلب إيمانهم, وعليه فقد ذهب التقليد اليهودي إلى أن يقوم أي متدين يهودي بالبصق على حامل أي صليب في أي موقع أو موضع يراه فيه في شوارع القدس أو بيت لحم, ويحفر الصليب على باطن الأحذية والنعال حتى يداس بالأقدام ويعفر بالتراب, والأكثر إهانة ومهانةأن يرسم أو ينقش على الملابس الداخلية التي ترتديها بنات الليل …. هل بعد هذا مهانة ؟

في الساعات التي أعقبت احتلال إسرائيل للقدس الشرقية في يونيو من عام 1967, تعرضت العشرات من الكنائس والاديرة في الأرض المقدسة للنهب والسلب, وتدمير المقدسات وتدنيس المذابح في داخلها, فقد فرضت القوة الغاشمة منطقها ووظفت ادوات الكراهية والعنصرية .

منذ تلك الساعة لم تنفك العبارات تكتب علي الجدران, والاهانات توجه للمسيحيين في الشوارع, رغم تعليمات حكومات إسرائيل المتتالية بمراعاة مشاعر السياح الأجانب الذين يأتون من بقاع وأصقاع العالم, من أجل زيارة الأماكن المقدسة لاسيما في زمن الميلاد وعيد الفصيح من كل عام .

هل تجاوز الأمر حده هذه المرة؟

كان ذلك بالفعل, إذ أن الكتابات لم تتوقف عند توجيه الشتائم والسباب للمسيحيين العرب والأجانب على حد سواء, بل تخطى ذلك إلى التهديد بذبحهم وإرسالهم إلى جهنم, وهي المرحلة التالية منطقيا بعد إحراق كنائسهم كما حصل العام الماضي عندما أحرق يهود متطرفون كنيسة الطابغة الأثرية, المعروفة بكنيسة “ الخبز والسمك “ قرب بحيرة طبرية .

المثير في مشهد العنصرية الإسرائيلية البغيضة, بل اليهودية الضاربة بجذورها في كراهية عميقة للمسيحية والمسيحيين أن الاموات بدورهم لم يسلموا منها, فقد أقدم مجهولون في الأيام القليلة الماضية على تدنيس مقبرة دير “ بيت جمال ”, وهي مقبرة تابعة لدير رهبانية الساليزيان بالقرب من مدينة “ بيت شيمش “ إلى الغرب من مدينة القدس, وتم تحطيم العديد من الصلبان في المقبرة, وكتبت على جدران وشواهد القبور عبارات معادية للمسيحية .

هل من شاهد من أهلها ؟

خذ إليك ما كتبه “ يوس إيلي “ عبر موقع “ واللاه “ الإسرائيلي نهار 17 الشهر الحالي, يصف الحال بالفعل … “ يسوع القمامة … مسيحي حقير .. تفو عليكم“, هذا جزء من الشتائم التي يتعرض لها رجال الكنيسة الأرمنية من الشبان الحريديين وطلاب المعاهد في الدينية في البلدة القديمة منذ أكثر من عشرين سنة فقط لكونهم مسيحيين ….. ماذا تفعل الشرطة عند تلقيها بلاغات مسيحي القدس ؟

يقر الكاتب الإسرائيلي … لا شئ أنهم يقولون … إننا لم نر ولم نلاحظ .. الشرطة لا تفعل ما يكفي من أجل القضاء على هذه الظاهرة القبيحة … هل المشهد أخطر من ذلك بكثير ؟

نعم دون أدنى شك فقد خلقت حكومات إسرائيل جني التعصب اليهودي والكراهية, وها هي الآن تواجه إعصاراً غير قادرة على منع انتشاره أو الحد من خطورته .

إسرائيل التي تتشدق بأنها واحة للأمن وجنة الديمقراطية في الشرق الأوسط المنكوب بأنظمة قمعية, تهتز أركانها اليوم أمام توجهات أصولية شديدة الخطورة والوعورة من نوعية “ لهفاة“ النظير والند لداعش والقاعدة, إذ تسعى لإزالة الدولة الديمقراطية – جوازاً – الإسرائيلية, وإقامة مملكة سليمان من جديد, على أسس من شريعة التوراة .

يصرح وزير الاتصالات الإسرائيلي “ جلعاد إردان “ بأنه “ لن نسمح لأي شخص بأن يقوض التعايش بين الأديان في إسرائيل ”… لكن الحقيقة, هي أن الخرق قد اتسع على الراتق, فالعنصرية التي عملت على تهويد القدس منذ عقود طويلة, باتت الأرضية التي بنيت عليها جذور الكراهية للآخر .

يحتار المرء كيف للغرب الذي يدعي أنه مسيحي أن يرى ما يجري هناك, في الأرض الموطن الحقيقي للمسيحية, ويقف صامتاً في خزي كبير أمام إسرائيل السادرة في غيها …

قد يسعي الحريديون وأقرانهم إلى إخافة مسيحيي الأرض المقدسة لطردهم من موطنهم الأصلي, لكن ما يغيب عن ناظري حكومة نتانياهو, أن الأصولية عما قريب ستطرد يهوداً آخرين, أو ستشعل حرباً أهلية بينهم …

الخلاصة : الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرست.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com