الجوائز وسنينها

الجوائز وسنينها

وئام غداس

كنت دائما ومازلت أخاف فكرة المسابقات، أيا كان مجالها، أيا كانت الشرائح التي تتوجه إليها، أيا كان نوعها، مهما كانت مغرياتها، فكما تعلمون بتنا نسمع عن جوائز ضخمة عربية وعالمية وهنا أتحدث عن مكافآتها المالية، عدا عن الصيت والمجد والشهرة الذي تكفله للفائز وكثير من الامتيازات الأخرى، لكني أخشاها من منطلق التفكير بمنطق الخسارة وليس الربح، لأنني لو تحدثت عنها من زاوية الفوز، سأنحاز لقلة قليلة هي عبارة عن مجموعة الفائزين أي النسبة الضئيلة جدا من مجموع أشخاص هائل وضخم تقدموا لجائزة واحدة لن يفوز فيها سوى شخص واحد، أو لنقل ثلاثة أشخاص على أقصى تقدير.

دعونا من فضلكم ننظر لدور الجوائز في حياة الخاسرين، وبشكل عام أولاً، الخسارة مسألة مربكة وذميمة، ليس في كل جوانبها، ثمة من يعيد من خلالها النظر في الذي يُنتجه –مهما كان- ويتساءل بسبب أنه لم يربح عما كان ينقصه تماما فأعاق فوزه، سيحاول جاهداً تدارك نواقصه، معالجتها، تحسين نفسه والتقدم بها وسوف تساعده هذه المرة كلمة ”لا“ في أن يسمع لاحقاً ”نعم“، معروف أن الفشل كان واقفاً في حالات كثيرة وراء النجاح، هذا ليس كلاما خياليا ولا تنظيراً، ولا نوعا من التشجيع أو حتى تلطيفاً لمعني الإخفاق، لكننا فعلا علمنا كم من قصص الفشل المرير تسببت وأدت إلى نجاحات مبهرة، إلا أن هذا للأسف ليس نتيجة حتمية، الفشل يؤدي أيضاً إلى مشاعر قميئة وقد يجرّ وراءه تبعات محطّمة يذهب في بعض الأحيان إلى إنهاء الشخص تماماً، هذا ما خشيت منه على صديقي الكاتب، عندما قال لي بأسى: ”هذه المرة العاشرة ربما التي أتقدم فيها لنيل جائزة، ولم أفز مرة، هل كل اللجان مخطئة؟ أنا لست كاتبا جيدا والحقيقة هي أني لا أصلح لأكون فنانا“، الحال لم تكن كذلك إطلاقا هو كاتب ممتاز وخلاق وأمامه الكثير ليفعله، لكنه كاتب بلا جوائز، هل هو كاتب جيد أم لا؟ حقيقة وسط فوضوية الأسماء لم أعد أعرف، ما أعرفه هو أن الإنسان كائن يحتاج إلى التقدير، وان لم أضع نفسي يوما ولن أضعها موضع تقييم أو طعن في مصداقية أي جائزة لكنني أرغب في أن أطلب من القائمين عليها بلطف: إن لم يكن ثمة مناص من الجوائز فلتكن على الأقل حذرة.

بحكم قربي من الوسط الأدبي، أمكنني مثل الجميع معاينة كمّ الجوائز الكثيرة التي رُصدت للأدب، الجوائز القيّمة والكبيرة، القديمة منها والجديدة، حتى ولدت مصطلحا بات متداولا كثيرا بين النخب والعامة هو مصطلح ”الكتابة من أجل الجوائز“، بإمكانكم بناءا على هذا تخيل أي عار صار لصيقا بالأدب وأي موجة استخفاف جديدة تجتاح اليوم عالم الكتابة، هنالك أشخاص يكتبون خصيصا للجوائز نعم بل حتى يكتبون نصوصا وكتباً على مقاسها، سيبدو هذا مفهوماً لو لاحظنا ازدهار ”سوق الرواية“ في أيامنا هذه، ليس من حديثي العهد بالكتابة فحسب واختاروا التخصص في كتابة الرواية، بل حتى في جنوح شعراء كبار وقاصيين متميزين إلى كتابة الرواية، ذلك أنها كنوع أدبي تستحوذ على نصيب الأسد في الجوائز المرموقة، دور النشر تشارك يوميا في هذا برفض وتعجيز كتاب الأنواع الأدبية الأخرى وفي المقابل تنشر عشوائيا ما هب ودب مما يسمى ”رواية“، طمعاً في الصيت والأموال ليس إلا، هل يجوز يا سادة أخذ الأدب بمنطق الحساب والأرقام، لو هكذا فإني أرى مجالات تجارية أخرى كثيرة قادرة على جلب أرباح خيالية، ولكن ليس الأدب واحداً منها على أية حال.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com