هل وصلت ”الغيبوبة“ الى الدبلوماسية اللبنانية؟

هل وصلت ”الغيبوبة“ الى الدبلوماسية اللبنانية؟

مارلين خليفة

وسط مناخ إقليمي محموم بين السعودية وإيران تمكّن لبنان في مرّة من المرّات القليلة من الحفاظ على ”برودة“ سياسية معقولة، وذلك من خلال قدرة الفريقين السياسيين الأساسيين فيه أي 8 و14 آذار على استكمال ”الحوارين“ اللذين بدآ منذ فترة: الحوار الأول وطني عام، والثاني يجمع بين ”تيار المستقبل“ و“حزب الله“.

ويبدو بأن الفريقين السياسيين اللبنانيين قد أصغيا لصوت العقل الذي اتّسم به كلام وليّ وليّ العهد وزير الدفاع السعودي الأمير محمّد بن سلمان، الذي أشار في مقابلة مع مجلّة ”الإيكونوميست“ الى أن المملكة العربية السعودية لا تريد الحرب مع إيران لأنه خيار مهلك للجميع. وقد سمع فريق ”تيار المستقبل“ لهذه النصيحة ولو لم تكن موجهة إليه مباشرة.

الأمر سيّان بالنسبة الى قوى 8 آذار الذي قرأ جيدا الخطاب الإيراني العقلاني في مقاربة الأزمة مع السعودية وإن لم يخل من تصريحات عشوائية أحيانا.

هكذا التقى الطرفان في منتصف الطريق مستكملين ”حواري الضرورة“ حفاظا على مناعة لبنان الأمنية التي تحصّن الدّاخل اللبناني وسط انحطاط سياسي وشلل إقتصادي ودين وطني جاوز الـ70 مليار دولار أميركي.

لكنّ القرار السياسي الداخلي الحكيم لم يقترن بسياسة خارجية على قدر المستوى. ففاجأ لبنان الدبلوماسي دول ”مجلس التعاون الخليجي“ بموقف نأى فيه عن الإجماع العربي بحجة رفعها وزير خارجيته جبران باسيل تتمثل بـ“الحفاظ على الوحدة الوطنية“.

هذه الحجّة صحيحة، لأنّ لبنان مستقطب بشكل واسع بين محورين إقليميين هما السعودية وإيران، وأيّ فريق ”يشتمّ“ بأنّ سياسة البلد الخارجية تجنح ولو قليلا لصالح المحور الآخر فإنّ بركانا من الثورة ينفجر تلقائيا.

لكنّ إذا صحّ هذا الأمر فلماذا توجد وزارة خارجية لبنانية ولماذا ثمّة دبلوماسيين لبنانيين ينبغي عليهم إيجاد مخارج دقيقة لمواقف حساسة يوضع فيها لبنان كما في حالة الخلاف السعودي الإيراني.

إن الموقف الطبيعي للبنان هو في الإصطفاف مع امتداده الحيوي التاريخي أي الدول العربية والخليجية مع حفاظه على علاقة جيدة مع طهران التي تربطها بالدولة اللبنانية وبفريق معين أواصر متينة. لكنّ المعروف عن لبنان أنه حين يقع في مأزق أو تشنّ عليه حرب معينة فإنه سرعان ما يستجير بالأشقاء الخليجيين الذين يعاملونه دوما وكأنه الطفل المدلّل ولا يرفضون له طلبا، أما الأمثلة فليست قليلة سواء في الحرب اللبنانية الطويلة أو في حرب تموز 2006 أو في الحرب السورية المستمرة منذ 5 أعوام والتي لم تبخل فيها الدول الخليجية من مساعدات للبنان سواء للنازحين السوريين الموجودين فيه أو للمجتمعات اللبنانية المحلية.

وبالتالي، إن موقف لبنان في جامعة الدول العربية كان ينبغي أن يخضع لمزيد من التمحيص الدبلوماسي المتخصص ولا يقتصر على ”توافق“ مشكوك بصحّته بين رئيس الحكومة تمّام سلام ووزير الخارجية جبران باسيل. علما بأنّ سلام ”غطّى“ قرار باسيل في جلسة ”الحوار الوطني“، في حين تشير أوساط سياسية لبنانية الى أنّ هذه التغطية لموقف حيوي يتعلق بسياسة لبنان مع أشقائه الخليجيين خضع لمعايير داخلية تتمثل برغبة سلام بعقد جلسة لمجلس الوزراء اللبناني الذي لم ينعقد منذ مدّة بلا مشاكل وكي يتلافى معارضة وزيري ”التيار الوطني الحرّ“

إذا صحّ هذا الخبر معطوفا على أخبار أخرى وردت من القاهرة عن عرض قدمه رئيس المجلس الوزاري العربي وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد لباسيل يتمثل بحذف الفقرة التي تتعلق بـ“حزب الله“ ووصفه بالإرهابي في تدخلاته في البحرين شرط عدم خروج لبنان عن الإجماع العربي في ما يخصّ بقية بيان الجامعة العربية فآثر باسيل الرفض والنأي مشكلا سابقة في خروج لبنان عن الإجماع العربي، إذا صحّ هذا الأمر فهذا يعني بأنّ حال الغيبوبة وصلت الى الجسم الدبلوماسي اللبناني وهنا الطامة الكبرى. وهنا يجدر السؤال عمّا كان يمكن أن يكون فيه موقف لبنان لو كان يمثله في القاهرة شارل مالك أو فؤاد بطرس أو غسّان تويني؟ فهل كان لينأى بنفسه؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة