جدار بوتين غير المرئي

جدار بوتين غير المرئي
إميل أمين

من بين الأسئلة العديدة المطروحه دولياً في نهايات عام وبدايات عام جديد: ”هل كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحتى الساعة حجر زاوية في طريق استقرار العالم أم على العكس من ذلك حجر عثرة عمل على إثارة الفوضى شرقاً وغرباً“؟

يبدو أن الجواب ليس باليسير، لاسيما وأن، هناك اختلافات في الرؤية  لدور روسياً سواء في آسيا أو الشرق الأوسط، وربما بالقرب من الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.

في خطاب حالة الاتحاد  الآخير حاول أوباما تصوير بوتين على أنه شخصية لا تحظى بتقدير المجتمع الدولي، ولذا فانه لا يصلح للقيادة الدولية.

غير أن واقع الحال يشير إلى خلاف ذلك، ففي حين يتقلص النفوذ الأمريكي في واحدة من المناطق المعروفة بالحضور الأمريكي تاريخياً، أي الشرق الأوسط، يزداد الانتشار الروسي، ويرحب به من قبل قادة دول المنطقة، أو غالبها، ومن شعوب تلك الدول.. هل من بين الأمريكيين من يقر بذلك كشهادة من أهلها؟

قبل بضعة أيام تحدث رئيس العمليات البحرية الادميرال ”جون ريتشارد سون“  بالقول: ”إن فترة الـ 25 عاماً من الهيمنة الأمريكية المطلقة في عرض البحر قد ولت  الأن، وقد حققت روسيا والصين تقدما عسكرياً وإمكانات هائلة“.

ما الذي دفع بوتين لإعادة الانتشار حول العالم غير عابئ بأوباما أو مكترث له؟

 الشاهد أن بوتين والروس الجدد، إن جاز التعبير قد استطاعوا قراءة أبعاد الاستراتيجية الأمريكية الاحدث للقرن الحادي والعشرين أى ”الاستدارة نحو آسيا“، والتى تهدف دون مواراة أو مداراة لقطع الطريق على الصين القطب القادم ولاشك، ووقف الصحوة الروسية السلافية الماضية قدما حول العالم، بعد الخلاص من ربقة الاوليجاركية التي احاطت بجورباتشوف، ومن بعده يلتسين.

في حواره الأخير مع مجلة ”بيلد“ الألمانية الأسبوع المنصرم، قال بوتين: ”لقد أزيل قبل 25 عاماً أهم خط تماس في العالم معروف باسم ”جدار برلين“، لكن أوربا لم تخرج من حالة الانقسام، إذ أقيم جدار فاصل غير مرئي في شرق أوروبا، على مقربة من روسيا، الامر الذي مهد لاستمرار سوء التفاهم بين الغرب والشرق ونشوب  الازمات الجديدة“.

أي جدار يقصد  بوتين؟

واقع الحال هناك جدارات عديدة حاولت واشنطن بناءها في النفوس والعقول، من نوعيه الثورات الملونة في الدول والجهوريات القريبة من روسيا، وهناك تدخلات إعلامية، وتسويق لرؤى آيديولوجية تتسق مع أهداف الاستراتيجية الأمريكية، كما تجري المعركة في أوكرانيا فكرياً ولوجسيتاً.

عطفاً على الجدران غير المرئية، هناك محاولات لا تنقطع لإقامة جدار صواريخ نووية على مقربة من حدود روسيا، ولهذا كان الرد الروسي عبر الاستراتيجية الروسية  العسكرية الآخيرة باعتبار المواجهة الآن بين موسكو وواشنطن قد تجاوزت حدود الحرب الباردة الماضية.

يقول أوباما بأن واشنطن هي القوة الأكبر حول العالم والتي تسعى لسلام العالم ومحاربة الإرهاب.. لماذا لا يؤمن بوتين بما يصرح به نظيره الأمريكي؟

الجواب يسير هذة المرة، ومرده إلى الازدواجية الأمريكية المعهودة ذلك أنه في الوقت الذي كانت إدارة أوباما تدين فيه بشدة ما قيل أنه تجربة لكوريا الشمالية، كانت صحيفة نيويورك تايمز تكشف عن تحضير إدارة أوباما لا ختبار نووى خاص بها في صحراء نيفادا، حيث تقوم مقاتلة أمريكية بإطلاق نسخة مقلدة من أول قنبلة ذرية دقيقة التوجيه تمتلكها الولايات المتحدة، حيث يسمح لها العقل الالكترونى الخاص بها وكذا الأجنحة الأربعة القادرة على المراوغة بالوصول إلى الأهداف المدفونة عميقاً مثل انفاق الاختبار ومواقع الأسلحة.

والثابت أنه إذا كان هذا هو النوع الحديث من الأسلحة النووية الأمريكية التى تعلن عنها، فماذا عما تخفيه لساعة القارعة لاسيما مع روسيا والصين؟

لعبة الشطرنج الأمريكية بين موسكو وبكين، أقتضت قيام  بوتين بعدة نقلات على رقعة العالم، في أماكن النفوذ الامريكي التقليدي كالشرق الأوسط، وما نراه في سوريا خير دليل على ما نقول به.

عطفاً على ذلك فإن هناك مناطق صدام مستحدثة بين الطرفين، تمثل جدارات غير مرئية للمواجهات القادمة، وفي مقدمتها القطب المتجمد الشمالي، حيث الصراع على ثرواته النفطية والمعدنية في قادمات الأيام.

هل قطاع كبير من العرب فقط ذهبوا في نهاية 2015 للقطع بأن روسيا حاولت  أن تكون حجر زاوية لا حجر عثرة بسبب التخاذل الأمريكي في مواجهة داعش؟

مثير جداً استطلاع الرأي الذي أجري في أوساط زوار موقع ”واللاه“ الإسرائيلي، إذ حصل بوتين على شخصية رجل العام 2015 في عيون المستطلعة آراؤهم من الإسرائيليين، وربما يتفهم المرء لماذا زاد تقدير بوتين في عيون الاسرائيليين  إذا  أدركنا مقدار تراجع  شعبية أوباما في الداخل اليهودي عامة.

قد تختلف مع بوتين أو تتفق، قد تراه عميلا للشيطان، أو رسولاً للسماء، لكن المؤكد أنه يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول، وهذا ما يميزه عن أوباما صاحب الاستراتيجيات غير واضحة المعالم، والغامضة بشكل يثير مخاوف الحلفاء قبل الأعداء.

يسعى بوتين في 2016 إلى مواجهة التهديدات التى تهدد أمن وسلام العالم، كالإرهاب والجريمة المنظمة، وتهريب البشر، وحماية البيئة، وغيرها.. هل هناك ما يميز بوتين عن أوباما؟

حكماً أنه يسعى لأن تكون موسكو مركزاً أممياً أخلاقياً للقيم،  وللقوة أيضاً، لكنها قوة أخلاقية غير منفلتة، القوة الذكية، التي يتحدث عنها جوزيف أس ناي الابن، في مواجهة ظاهرة إنفراط المجتمعات وتحللها أخلاقياً تحت عناوين التعددية الثقافية والتحرر الأجتماعي والمساواة الكاملة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com