خلوة ما بعد النفط.. بلا دخان

خلوة ما بعد النفط.. بلا دخان

تاج الدين عبد الحق

لن ننتظر الدخان الأبيض من الخلوة الوزارية التي أعلن عنها نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والتي ستخصص لدراسة خيارات الإمارات في مرحلة ما بعد النفط.

فالخلوة لا تناقش الموضوع، باعتباره حالة غير متوقعة، أو طارئة، بحيث نترقب خبر ما دار فيها، بل أمر واقع نحتاج في مواجهته إلى سلسلة إجراءات، وتعديل في السياسات والأولويات .

الجديد ليس الموضوع، فهو يخضع لنقاش متعدد المستويات منذ بعض الوقت، والحديث حوله، لم يبدأ في الإعلان عن الخلوة الموعودة، ولن ينتهي فيها.

لكن المثير الذي يلفت النظر، هو أن هذه المبادرة تعكس مدى الجدية التي تتعامل بها الإمارات مع المتغيرات في محيطها، رغم أنها، بالأرقام، تكاد تكون الأقل تضررا من تراجع الأسعار العالمية للنفط، والأكثر قدرة على احتواء آثارها، إما بسبب النجاحات التي حققتها في تنويع إقتصادها، أو بسبب ما لديها من احتياطات مالية، تساعدها على امتصاص الصدمة الناتجة عنها.

قبل الإعلان عن الخلوة، كانت هناك تصريحات لولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عن احتفال الإمارات بآخر برميل للنفط، لا بالدلالة الحرفية للتعبير، بل بمعناه المجازي، حيث لا تعود للنفط تلك الهالة التي ظل عليها طوال عقود، حين كان فيها الذهب الأسود مبتدأ وخبر حروب لا زلنا نعيش تداعيات بعضها إلى الآن .

وقبل هذا وذاك، كانت الإمارات العربية المتحدة قد شهدت أكثر من مبادرة في ذات الاتجاه، أبرزها مبادرة ”مصدر“ لإنتاج الطاقة المتجددة، أو النظيفة أو الشمسية.

كانت تلك المبادرة غريبة في وقتها، فأسعار النفط حينها، كانت تتجاوز 120 دولاراً للبرميل، وكانت هناك آمال بازدياد الطلب العالمي، دفعت الأسعار إلى مستويات توقع البعض أن تصل إلى حوالي 200 دولار للبرميل.

وكان السؤال الذي يتردد، حينذاك، هو: ما الذي يجبر دولة مثل دولة الإمارات أن تبحث عن خيارات أخرى في مجال الطاقة، ولديها احتياطات مؤكدة من الخام، تكفيها لمدة تتجاوز مائة سنة على الأقل، وبالوتيرة الحالية للإنتاج والتي تقارب 4 ملايين برميل يومياً .

كما تساءل البعض عن سر الحماس الذي تحركت به الإمارات، دبلوماسيا،ً للفوز باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة ”ايرينا“، وهي المنظمة التي تعنى بتشجيع الدول على استخدام مصادر نظيفة للطاقة مثل الشمس والرياح وغيرها، ما يعنى بالتبعية تقليص استخدام المواد الهيدروكربونية، ومنها النفط كمصدر للوقود، أي أن الإمارات لم تكن في ذلك الوقت تعمل فقط، على احتواء آثار التوجه لاستخدام الطاقة النظيفة على اقتصاداتها، بل إنها كانت كمن يعمل دبلوماسياً وإعلامياً ضد مصلحة الإمارات الوطنية كدولة رئيسية منتجة للبترول.

بالتزامن مع كل ذلك، وقعت دولة الإمارات اتفاقيتين لإنشاء محطات نووية للأغراض السلمية، وهو ما أثار، أيضا، تساؤلات حول الأسباب التي تدفع دولة تملك وفرة في الطاقة وبأسعار رخيصة، إلى تجشم عناء بناء محطات نووية باهظة الكلفة، لا على الصعيد الإنشائي فقط، بل على مستوى الصيانة والحماية من العوارض الطبيعية، التي كانت سبباً في كوارث بيئية.

والواقع أن هذا النهج الاستشرافي ليس جديداً في الإمارات، فإذا ذهبنا بعيداً، فإننا سنجد في تجربة التنمية في إمارة دبي، مثالًا آخر على الرؤية الاستشرافية التي تتعامل بها الإمارات مع ما يدور في محيطها من تطورات وتغيرات، وعلى الكيفية التي رسمت فيها سياسات لا ترتهن للنفط، أو تقلبات الأسواق .

فالذين يعرفون دبي يعلمون أن إنتاج الإمارة من البترول لا يكفيها لإنارة شوارعها ومبانيها، وأنها تكاد تستورد من النفط، أكثر مما تنتج، لإمداد المؤسسات والمعامل بما تحتاجه من الطاقة.

لكن دبي، التي تعاني من شح في مصادر الطاقة، نجحت في تقديم نموذج فريد، لم تنجح اقتصادات كبيرة غنية بالموارد والإمكانات في محاكاته والسير على منواله.

الذين يختصرون الخليج، بما تنتجه المنطقة من النفط، وما يتجمع لديها من فوائض مالية يخطئون كثيرا، فهناك دول عربية تملك احتياطيات نفطية، وتنتج كميات تدر عليها عوائد مالية، تعادل، إن لم تكن تفوق، ما كانت تدره من عوائد على بعض دول الخليج، إلا أنها لم تكن تملك الحكمة الكافية لإدارة تلك الإمكانيات، واكتشفت، بعد فوات الآوان، أنها لم تفقد فرصة الاستفادة مما حققته من عوائد مالية على مدى خمسين عاماً، بل فقدت أيضا، وإلى الأبد، فرصة تعويض ما فاتها، بعد أن أهدرت ماكان بين يديها في سياسات لم تجن من ورائها إلا الخراب واجترار الندم والتحسر على ما فات.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com