موت ممدوح عبد العليم يؤكّد فجأة سطوة الفنّ

موت ممدوح عبد العليم يؤكّد فجأة سطوة الفنّ

وئام غداس

يوم الخامس من يناير/جانفي الجاري خسرنا واحداً من أجمل وأقدر الفنانين العرب، ممدوح عبد العليم، فجأة دون مرض أو إشاعات أو مقدمات سقط ميتا في قاعة رياضة، وعلى الفور انتشر الخبر في كل مكان وكان بمثابة الصدمة العامة التي ضربت الجميع على حدّ السواء، وبدأت سحابة حزن عارمة تغطي المشهد، من كان ممدوح عبد العليم ليوحّد ألم فراقه المجتمع العربي على اختلاف شرائحه؟

ينهض ممدوح عبد العليم في ذاكرتي ويوقظ معه وجوهه الكثيرة، علي البدري، العمدة فتح الله، رامي قشوع، حمّص وأدوار أخرى كثيرة، بقيت محفورة في الذاكرة الجماعية لجيل بأكمله، جيل الثمانينات الذي لم يكن يعيش ذات الازدهار الذي شهدته سنوات لاحقة لوجوه فنية شابة، ووسط ممثلين قديرين ومعروفين ظهر شاب وسيم، بعينين خضراوين حالمتين، لطالما شكلت فتى أحلام الفتيات، وبمسحة بريئة محببة جعلته قريبا من قلوب الناس، ومألوفاً للحدّ الذي يُشعِر البعض أن ممدوح عبد العليم لم يكن سوى واحداً من العائلة، أخ، صديق، جار، ابن، زوج… وشكّل جزءا كبيراً من ذاكرة وزمن أشخاص كثر وبفقدانه شعروا أنهم يخسرون ماضيا شخصياً حميماً وعزيزاً.

يمكن القول أن لممدوح عبد العليم موهبة استثنائية جعلته -بعيداُ عن شكله كفتى شاشة- يكشف عن إبداع وقدرة عالية على أداء أدوار مركّبة ومختلفة عن بعضها بل وحتى متناقضة، من الفتى الأرستقراطيّ إلى العمدة القرويّ، من الرجل المثقف إلى غير المتعلم، من العاشق المتيم إلى الوصوليّ، في الدراما كما في الكوميديا، كلّ هذه الأدوار سواء السينمائية أو التلفزيونية والتي تجاوزت الخمسين عملاً، كانت تؤكد مرة بعد مرة أن ممدوح عبد العليم ممثل مدهش، الأدوار التي جسدها طوال مسيرته كانت أضيق من إمكاناته ولم تحقق له أن يقدم كل ما عنده، ذلك أنه لم يكن كثير التواجد على أجندات المخرجين ولا كان غزير الإنتاج، شأنه كشأن أغلب أسماء جيله الذي نضج مع ظهور سينما المقاولات وبسبب ذلك لم تخدمهم الظروف، رغم ذلك نجح عبد العليم في حفر اسمه في ذاكرة الفن الجميل وفي إبراز قدراته ولو من خلال ظهور غير كثيف.

برز ممدوح عبد العليم في أفلام الواقعية الجديدة، ربما من أجل ذلك مثّل للجمهور نموذجاً مثاليا لزمن بأكمله، فتجد معظم الناس خصوصا الجيل المصاحب لجيله يرددون عبارات عن حبهم الشديد والمبهم له، غير أني أرجح أن سبب ذلك هو مصاحبة تشكل تجربته الفنية ونضوجها لتشكّل وعيهم ونضوج تجربتهم الإنسانية، وبالرغم من أخبار موت الفنانين الكثيرة خلال الفترة الأخيرة، إلا أن موت ممدوح عبد العليم كان حالة نادرة، نادرة إلى حدٍّ ملفت، فقد انتشرت صوره على مواقع التواصل بشكل عاصف تصاحبها كلمات النعي والحزن واللوعة لفقدانه، في التلفزيون وفي الشارع وكل مكان، تشعر فجأة بتوحّد عجيب في الحزن والألم لموت هذا الفنان.

ممدوح عبد العليم واحد من أسمائي المفضلة والمقربة جدا وبين اسمه وحقبة مبكرة من حياتي رباط وثيق، لكن مسّني كثيراً أن رباط الذاكرة هذا لم يكن يتعلق بي وحدي، بل أغلبية من كانوا حولي، حتى جمع الحزن عليه كل الناس دون أن يخططوا أو يدركوا ذلك، وهذا قلما بات يحصل في أيامنا هذه، ولو كان بإمكان ممدوح عبد العليم العودة لبضع وقتٍ إلى الحياة لقال أن تعلق الناس به كان أكبر مما قدّر وتوقع، ولكنها قدرة الفنّ سطوته وعظمته في جذب كل متناقض حول المحبّة، نقطة المركز، كأنه مغناطيس.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com