تمييز ضدها في الحياة والممات

تمييز ضدها في الحياة والممات

رفيعة الطالعي

منذ أيام كنت أزور والدتي في بلدتي بسلطنة عمان، وفي ذلك الوقت كان يدور جدل في البلدة عن حدث هزها منذ عشر سنوات، حدث لايزال رغم السنوات الطويلة يثير ألما وحزنا ونقاشا حارا. شاب كان يعمل في جهاز الشرطة عمره 23 عاما سمع من شباب في عمره أو أصغر كلاما يسيء إلى سمعة أخته الكبرى المتزوجة، يغضب غضبا شديدا ويضمر في نفسه تأديبا أو عقابا لأخته ينفذه بعد أسبوع من وقت سماعه للشائعات. في إحدى الأمسيات يدخل بيت أخته ويجدها تشاهد التلفزيون هي وأبناؤها الأربعة، يطلق عليها الرصاص من مسدس يحمله بصفته عنصرا من عناصر الشرطة. تغوص أخته في دمائها وتلفظ أنفاسها الأخيرة أمام ابنائها الصغار الذين عقدت الصدمة ألسنتهم وشلت حركتهم.

حكم على الشاب بالسجن المؤبد، وأثار الحكم الكثير من الجدل وقتها، فالبعض قال القاتل يقتل أو يعدم، و البعض اعتبر الحكم معقولا لأن الشاب كان يدافع عن سمعة عائلته، رغم أن ما دفعه لقتل أخته هو مجرد كلام، ولم يرها في وضع قد يدفعه للغضب الشديد وبالتالي إلى التصرف بهذا الاندفاع. وأيضا هناك مدة أسبوع بين وقت سماع الشائعة ووقت حدوث جريمة القتل. ولا أدعى معرفة تفصيلية بحيثيات الحكم، ولكن ما أثار الموضوع مرة أخرى بعد عشر سنوات هو إطلاق سراح الشاب في عفو عام، وهو عفو يصدر كل عشر سنوات بمناسبة العيد الوطني في عُمان.

استقبله والده في بيته، وكان السؤال ما إذا كانت والدته، المنفصلة عن والده، ستستقبله أم لا، وإذا كان أبناء أخته التي قتلها سيستقبلونه أم سيرفضون رؤيته؟ الوالدة ذهبت لرؤية ابنها لكنها لم تستقبله في بيتها. أبناء أخته الذي شهدوا مقتل والدتهم لم تخفف السنوات من ألم اللحظة، رفضوا رؤيته رفضا قاطعا.

كانت أسرة هذا الشاب تسكن في البيت المجاور لبيتنا، أتذكره هو وأخواته وأخوته يلعبون معنا أنا وأخوتي، وأتذكر أخته القتيلة تلعب مع أخواتي الأصغر. لم تكمل دراستها الثانوية فزوجوها ابن عمتها، الذي لم يكمل دراسته ولكنه وجد وظيفة حكومية بالقرب من مكان إقامته. هذا الزوج لم يكن زوجا مثاليا، وكانت تدور الشائعات أيضا حول سلوكه غير الملتزم دينيا واجتماعيا. بعد حادثة القتل لم تحتمل أم القاتل والقتيلة أن البقاء في نفس البيت والعيش في نفس البلدة، انتقلت ومن تبقى من أبنائها إلى بلدة أخرى.

في اليوم الذي زار فيه الأخ القاتل بلدتي، بعد عشر سنوات، كنت هناك. كان الشاب يمر على بيوت الجيران ليسلّم عليهم بعد غياب طويل، مر ليسلم على والدتي وأخوتي. أثارت رؤيته كثير من التساؤلات، وكثير من الألم. هو الآن في الثالثة والثلاثين، وأصبحت لديه لحية طويلة، وسمعت أنه وهو في السجن التزم دينيا وكان يقرأ القرآن ويحفظه. بدا لي شابا صغيرا، كان الهدوء يسيطر عليه، لكن نظراته ابتعدت عن الالتقاء بنظراتنا، وظلت كلمة واحدة تتردد في أذني لأن الشاب ظل يكررها لنا: سامحوني، سامحوني.

شعرت بالشفقة الشديدة عليه، وشعرت بالألم، وكان هناك تناقضا كبيرا بين ما أفكر به وبينما أشعر به تجاه هذا الشاب. الذي كرر كلمة سامحوني لشعوره بأنه اقترف ذنبا ضدنا كلنا وليس ضد أخته أو عائلته، شعر أن ما فعله هو جريمة ضد البلدة التي أحبته هو وأحبت أخته أيضا. عرفت من أخي أن الشاب يشعر بالندم الشديد على فعلته البشعة، وأنه خلال فترة بقائه في السجن كان يتعذب، واعترف أنه أخطأ وقال إن الموت كان أسهل عليه من العيش مع كل هذا الندم والألم. شاب فقدَ عشر سنوات من أفضل سنوات عمره، وسيعيش ما تبقى له في ألم لا نهاية له، وندم سيعصر قلبه على الدوام.

لكن ما كنت أفكر فيه هو لماذا لم يحكم عليه بالإعدام طالما أن القضية واضحة، وأركانها قائمة، والنية والتخطيط لها واضحين؟ أسأل هذا السؤال ليس لأني تمنيت له الإعدام، ولكنه سؤال طرحه غيري في ذلك الوقت والآن. البعض قال لأن المحامي شكك في صحة قواه العقلية، ولكن البعض قال إن المحامي لم يحضر أصلا الجلسة التي أعلن فيها الحكم، لأنه كان قد توفي فجأة قبل ذلك بيوم أو يومين.

وقالت بعض النساء إن هذا الحكم جاء فقط لأنه رجل، وافتراض أن ما قام به هو بسبب حرصه على سمعة عائلته وشرفها، رغم عدم وجود واقعة تثبت أن الأخت القتيلة قد قامت بما يسئ لعائلته، غير إشاعات أو كلام قاله شباب صغار ليغضبوا الأخ الذي غضب فعلا وقام بما لم يتوقعه أحد. فلنفترض أن القاتل هي الأخت والقتيل هو الأخ، في نفس الظروف والمعطيات كيف ستكون طبيعة الحكم؟ وكيف ستكون ردود فعل المجتمع؟

الواقع هو أن زوج القتيلة وابن عمتها، كانت تدور حوله إشاعات كثيرة تسيء لسمعة العائلة إضافة إلى عدم التزامه الديني وتعاطيه الكحول، ورغم هذا لم يفكر أحد، ومنهم هذا الأخ ابن الخال، لم يفكر في سمعة العائلة إلا عندما ارتبط الأمر بالأخت (المرأة)، لأن شرف العائلة وسمعتها لا تتأثر بأي فعل سيء أو غير أخلاقي طالما كان الفاعل ذكرا. وهذه هي ثقافة المجتمع.

لا يتخيل أحد أن يقوم فرد من عائلة ما، رجلا كان أم امرأة، بقتل أخيه الذكر لأنه يسئ لشرف العائلة أو يشوه سمعتها. لأن المرأة هي فقط من يلطخ الشرف الرفيع، ولأن الشرف في ثقافتنا مرتبط فقط بجسد المرأة، المرأة وحدها. ولو قام الرجل بنفس الأفعال ( السيئة ، المشينة، غير الأخلاقية) فهو خارج الحساب، خارج السائد والعرف. بل إنه يتناقض حتى مع الدين، الذي لم يفرق بين الذكر والانثى في العقاب والجزاء.

لكن، وللأسف، يبدو أن المجتمع لم يتخلص من جاهليته، ومن تمييزه ضد المرأة سواء في حياتها أو في مماتها، ورغم أن القوانين واضحة في هذا الشأن، غير أن المعايير الاجتماعية، وإرث العادات والتقاليد لاتزال عوامل ومؤثرات قوية تلقى بظلالها وآثارها على قراراتنا وأحكامنا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com