”دوزان الأوتار في المنطقة بأصابع محترفة“

”دوزان الأوتار في المنطقة بأصابع محترفة“

يوسف ضمرة

الإعلانات الأمريكية عن عمليات إنزال خاطفة في العراق، تتضمن عنصرين: قتل قرابة 20 مسلحا من داعش، واعتقال قيادي أو اثنين. ولا ينطوي أي إعلان على تفاصيل أخرى؛ هل حصل اشتباك أم تم قتل عناصر داعش وهم يلعبون الورق مثلا؟ هل أصيب جندي أمريكي أم لم؟ هل تصل طائرات الإنزال إلى قواعد داعش بكواتم صوت؟

لكن السؤال الأكثر أهمية بالطبع هو: هل تغامر القوات الأمريكية بإرسال قوة من 20 إلى 30 رجلا، لكي تقتل 20 مسلحا من داعش؟ أتفهم أن تقوم أمريكا بذلك لاصطياد شخصية متميزة مثل بن لادن مثلا، الذي جرت تصفيته ـ الافتراضية، وربما الحقيقية أيضا ـ في باكستان. أما هنا، فلا يعلن الجيش الأمريكي عن الذين قتلهم؛ أعني مراكزهم وأهميتهم ومواقعهم في التنظيم. كما إنه لا يخبرنا شيئا عمن جرى اعتقالهم.. من هم؟ إلى أين ذهبوا بهم؟

أفترض أن القوات الأمريكية تفعل شيئا من هذا القبيل الذي تعلنه، لكني لا أعرف لماذا لا تقوم الطائرات الأمريكية بتدمير المواقع أو المعسكرات كلها، تلك التي تقوم بعمليات إنزال فيها أو حولها! هل تقوم أمريكا بإنقاذ بعض قيادات داعش؟

مثل هذا السؤال، سيحرك معارضي ما يسمى بنظرية المؤامرة. وهؤلاء يودون منا تصديق كل ما تنشره أمريكا سياسيا وعسكريا منه دون مساءلة أو تأمل، وكأن أمريكا لا تتآمر على أحد، ولا تعلم الآخرين فنون المؤامرات والتآمر!

لقد أرتنا الطائرات الروسية أرتالا هائلة من صهاريج النفط العملاقة في العراق وسوريا، وتمكنت من تدمير جزء كبير منها. لكن أمريكا لم تقصف رتلا واحدا. لا تبدو مهمة تصدير النفط العراقي المسروق مسألة ذات قيمة، ولا تبدو هذه واحدا من أكثر مصادر التمويل لتنظيم داعش. والأمر ينطبق على الأوروبيين الذين بدا هامشهم الشخصي والسيادي يضيق في السنوات الأخيرة، حتى بدا وكأنه في طريقه إلى الزوال. ومن يسترجع المواقف الفرنسية والبريطانية في الشأن السوري، وما آلت إليه هذه المواقف، وكيف تحولت وتبدلت، يدرك أننا ربما نكون في الطريق الصحيحة لرؤية المشهد السياسي.

ليست العوامل الجوية هي السبب الوحيد الذي مسح صور الطيران الروسي في أجواء سورية. هنالك بالتأكيد عوامل أخرى لا يتم الإفصاح عنها، خصوصا حين يقوم المتحاربون والخصوم بعملية استعداد لتنفيذ الخطوة الأولى في عملية تسوية سياسية مرتقبة منذ سنتين، وأصبحت اليوم صورة مرسومة في أذهان المتابعين، وأخذت التسريبات الإعلامية على عاتقها فرصة وضع اللمسات الأخيرة أمام المشاهد.

نحن ندرك بالطبع أن ثمة الكثير مما اتفق عليه في الكواليس، وخصوصا بين أمريكا وروسيا. وندرك الآن أن كل ما يجري في المنطقة هو مجرد تنفيذ لسيناريو تم الاتفاق عليه.

هل تنطوي الإعلانات الأمريكية عن إنزالات وعمليات كوماندوز خاصة، على جزء من المتن المتفق عليه، أم تدخل في الهامش الأمريكي الواسع؟ تماما كما هو السؤال عن التشدد السعودي أمام الصورة الكلية التي تؤكد أن الخطوة العملية المعلنة أصبحت أمرا واقعا؟ فلماذا؟

هذه الهوامش للحلفاء، تسهم في إنقاذ بعض من مصداقيتهم أمام شعوبهم. والوسائل كثيرة؛ فليس السياسيون كلهم يشبهون وليد جنبلاط الذي ينقلب بين ليلة وضحاها 180 درجة من دون أي ارتباك. وليس السياسون كلهم كالساسة البريطانيين أو غيرهم ممن يلجأون إلى الصمت تدريجيا بعد عاصفة من المواقف السياسية المعلنة. أي إن لكل دولة أو سياسي أو جماعة ما يناسبها من وسيلة تصاحب انقلابها على مواقفها السابقة. ومن هذه الوسائل يبدو التشنج أحيانا أو الإعلان عن الثبات على موقف ما، أو حتى التطرف فيه، هو المناسب. فأيا يكن الموقف الجديد لجنبلاط مثلا، لن يفقده زعامة الطائفة، وهو ما يعني أن لدية رصيدا شعبيا يستطيع صرفه في اللحظة والتو، وأيا كانت الفوائد والمستحقات. ولا يختلف الأمر في بلد كالمملكة السعودية، التي تدرك، ويدرك معها الآخرون أنها في نهاية المطاف، لن تستطيع أن تكون صاحبة القرار في لعبة الكبار.

تستطيع أمريكا أن تعلن ما تشاء، ويستطيع آخرون ذلك، لكن“دوزان الأوتار“ سيظل في الأيدي الكبرى محترفة العزف، لا في أيدي الهواة والمتدربين.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com