من وراء ظهر الرئيس

من وراء ظهر الرئيس

إميل أمين

هل من خلل بنيوي خطير يهدد وحدة وسلام الجمهورية الأمريكية؟

علامة استفهام رسمها الكاتب الأمريكي النافذ ”سيمور هيرش“ صاحب الباع الطوبل في المعرفة، الباطنة والظاهرة لما يجري في داخل المطبخ السياسي الأمريكي بكل مناحية قبل أن ينصرم العام بأيام معدودات، وعبر ”لندن ريفيو اوف بوكس“ .

كتب هيرش عن ”جيش لجيش“، وخلاصة ما يهمه القارئ أن هناك ما يشبه الانقلاب العسكري الصامت قد جري ضد سياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما المتصلة بسوريا.. ما الذي جري تحديدا وما دلالاته الخطيرة؟

لا يمكن الجواب دون توضيح علاقة الرئيس الأمريكي دستوريا بالمؤسسة العسكرية في البلاد، إذ يمده القسم الثاني من المادة الثانية بالسلطة علي اعتبار أنه ”القائد الأعلي لجيش وبحرية الولايات المتحدة، ولميليشيات مختلف الولايات، عندما تدعي إلي الخدمة الفعلية للبلاد“.

والشاهد أن هذا التوصيف يجعل من أي رئيس أمريكي القائد الأعلي رتبة عسكرية في الدولة مع السيطرة علي المؤسسة العسكرية بأكملها، ويرأس الرئيس كذلك الهيكل الوظيفي للمخابرات السرية، التى لا تتضمن فقط وكالة المخابرات المركزية (CIA) لكن تشمل كذلك مجلس الأمن القومي (NSC) ووكالة الأمن القومي (NSA)، ومكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، وعددا آخر من وكالات الأمن الدولية والمحلية الأقل شهرة، وأن كانت قوية للغاية.

علي هذا النحو هل يمكن أن يقدم بعض من جنرالات المؤسسة العسكرية الأمريكية علي التصرف من وراء ظهر الرئيس وخلافا لتوجهاته الخارجية حيث أنه المسئول عن رسم السياسات الخارجية للبلاد؟

يبدو أن هذا ما جرت به المقادير في الشأن السوري بالفعل، وما أماط عنه اللثام ”هيرش“ أو بالأحري ربما هذا ما أراد البعض في ”هيئة رئاسة الأركان الأمريكية“ تسريبه للرأي العام الأمريكي، بالتعاون مع الاستخبارات العسكرية الأمريكية (DIA) لكشف عدد من الحقائق بشأن سوريا.

كيف لرئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة السابق الجنرال ”مارتن ديمبسي“ أن يعمل مع بعض رجالاته في البنتاجون علي تسريب معلومات استخبارية من نوع ”سري للغاية“ حول مواقع داعش وبقية الجماعات المشابهة لها إلي كل من روسيا وألمانيا وإسرائيل؟

بحسب تحليل سطور هيرش أن حدثت التسريبات بدون علم الاستخبارات المركزية الأمريكية، والتى تماهي رؤاها نظرة أوباما للشرق الأوسط.. هل نحن إزاء انقلاب أبيض صامت؟ أم فعل من أفعال الجاسوسية الرسمية“ أن جاز التعبير“؟.

يمكن للمرء أن يتفهم لماذا ألمانيا وإسرائيل، أما المدهش فهي روسيا والتى تعد بحسب الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الأخيرة العدو الرسمي للولايات المتحدة، لكن يبدو أن رجالات ”ديمبيس“، راوا فيها شريك موثوق في القضاء علي داعش بأكثر من قرارات أوباما المهتزة ، وفي كل الأحوال كانوا يعلمون أن ما سيصلهم من معلومات سيكون علي مكتب الأسد في اليوم التالي.

ماذا بشأن الألمان؟ من الواضح أن عدد من كبار الرتب العسكرية في استخبارات الجيش قد وقر لديهم أنها المحرك الرئيسي لأوربا وقلب القارة النابض، لاسيما وأن هناك عدة ملايين من المسلمين يعيشون علي أرضها، وبصورة أو بأخري يمكن القول أن الأسلاموبيا لعبت دورا في زخم الألمان بأكبر قدر من المعلومات التى يداريها أوباما عن ميركل.

أما إسرائيل فيبقي المشهد طبيعيا فانصارها في المؤسسة العسكرية الأمريكية كثر، وحجتهم هذه المرة أنها دولة مواجهة وحدود مع سوريا، ولا تريد أن تري الدواعش علي حدودها في الغد القريب، ورغم العداء الظاهر واحتلال الجولان، تبقي هناك مصلحة ما في تغيير المشهد السوري، وأن بطريقة مختلفة عن تعاطي أوباما.

من يدير الولايات المتحدة الرئيس أم المجمع الصناعي العسكري بإذرعه الخفية؟

يبدو أن هناك ثورة مكتومة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، وهو ما ألمح إليه وزير الدفاع الأمريكي السابق تشاك هاجل عبر مقابلة أخيرة له مع مجلة الفورين بوليسي، ومرد تلك الثورة الصامتة هو ما أصاب الحضور والنفوذ الأمريكي من خسائر في الشرق الأوسط من جراء سياسات أوباما الخارجية منذ عام 2011 وحتى الساعة.

تلفت ”هيلاري كلينتون“ في مذكراتها الشخصية إلي خطايا أوباما بدءا من عام 2009، وصمته المثير للشك والريبة تجاه المظاهرات التى انطلقت ضد انتخاب احمدي نجاد عام 2009 رئيسا لإيران، عطفا علي تقصيره في الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وصولا إلي تخليه عن بعض من الرؤساء العرب الذين قدموال لأمريكا خدمات جليلة طوال عقود، ما يعني أن ليس العسكريين فقط هم الغاضبون من أوباما.

هل بدأ أوباما في أدراك ماساوية المشهد الواقع فيه؟

الذين تابعوا خطابه الأخير من البيض الأبي لاحظا أنه تخلي عن عبارة ”أضعاف تنظيم داعش والقضاء عليه في النهاية“ واستعمل مفردات >تدمير تنظيم الدولة“، وبين المعنيين بون شاسع، ربما كان في خلفيته ثورة الجنرالات، غير أن هذا لا ينفي وجود حالة من التخبط القائمة ويمكن أن تكون قادمة أن لم يسارع الرئيس أوباما إلي إجراءات قاطعة لجهة الأسد وداعش معا.

يستطيع ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر أن يحاجج كما كتب بالفعل عام 2001 بصورة بالغة الرمز والدلالة مشيرا إلي أن الولايات المتحدة تتمتع في مطلع الألفية الثانية، بصدارة لم يبلغها أحد، ولا كبريات الامبراطوريات في الماضي، غير أنه لا يستطيع أنكار حقيقة جوهرية: كل بيت ينقسم علي ذاته يخرب وكل أمة تنقسم علي ذاتها لا تثبت.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com