إيران تستثمر إعدام النمر لخلط أوراق الإقليم

إيران تستثمر إعدام النمر لخلط أوراق الإقليم

المصدر: تاج الدين عبد الحق

 بقطع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، تكون فكرة التوافق، أو الحوار بين طهران والرياض، كأساس لحلحلة الملفات الإقليمية الساخنة قد رفعت من التداول، إلى وقت طويل.

ويبدو أن الذين كانوا يطرحون فكرة الحوار الإيراني السعودي، كانوا يعبرون عن رؤى سياسية، وأمان نظرية، لاعن معطيات عملية، والدليل أن تصعيد التوتر الأخير بين البلدين، كان كمن  ينتظر الشرارة والذريعة، التي تنقله من حالة التجاذب، إلى مرحلة القطيعة.

إيران هي من استعجلت القطيعة وأرادتها، تجنبا لاستحقاقات إقليمية تتهرب منها، أو تحاول عرقلتها بشتى السبل، فالمفاوضات بشأن سوريا قطعت عتبة التوافق الدولي وصارت تقترب من الاتفاق على تفاصيل انتقال السلطة، التي ستتضمن حكما، تقليم  أنياب الأسد ابتداء، قبل أن يصار إلى إبعاده تماماً.

كذلك، فإن التطورات في العراق تشير إلى نجاحات على صعيد ضرب تنظيم داعش، وتقليص نفوذه في مناطق من غرب العراق وبدء مرحلة التقدم باتجاه معقل التنظيم في الموصل. وهي نجاحات تتم، خلافا لمرات سابقة، بمعزل عن المليشيات الطائفية المعروفة باسم الحشد الشعبي المدعومة من إيران، وهو ما يوفر قاعدة جديدة للتفاوض على العملية السياسية في العراق بعيدا عن سياسة الاحتكار والمصادرة التي مارستها حكومة المالكي سابقا، وأدت نتائجها إلى تهميش المكون السني، وتعريضه لعمليات تصفية ممنهجة.

إلى ذلك، فإن التطورات في اليمن  تحمل هي الأخرى، مؤشرات مشجعة على أن الحوثيين المدعومين من إيران، يفقدون الكثير من عناصر قوتهم، وبالتالي لم تعد لإيران فرصة التأثير في مسار الأزمة، التي يبدو أن السعودية، ودول التحالف المساندة لها، مصممة على حسمها عسكريا، أو سياسيا، دون أن يدفعوا  ثمنا تستفيد منه إيران.

وحتى في لبنان، فإن حزب الله، الذي يقدم ثمنا غاليا لتدخله في سوريا، تتضعضع  قدراته السياسية والعسكرية، وتتراجع شعبيته في المنطقة على وقع التغيرات الجارية في الإقليم، والتي من أبرز ملامحها قيام محور تركي سعودي مناهض للدور الإيراني.

لذلك فإن إيران وجدت في إعدام الشيخ نمر النمر، فرصة وذريعة للتصعيد الدبلوماسي والتجييش الطائفي في المنطقة، فهي بخلاف ما تطلقه من إيحاءات مضللة، لم تفاجأ بإعدام النمر، وكانت تعلم  منذ زمن بعيد أن القرار بإعدامه قرار لا رجعة فيه. علمت ذلك من الوسطاء الذين تقاطروا على الرياض أو تواصلوا معها أو قايضوا على موقفها من هذه القضية.

فالرياض أبلغت كل من جاءها متوسطا أو عارضا لصفقة، أن قضية النمر هي شأن قضائي، وأنها ترفض تسييسها بأي ثمن. كما أنها لا تراهن على أمنها إرضاء لنزعات سياسية أو طائفية، وأنها لا تكيل بمكيالين في القضايا المحكوم بها من قبل المحاكم السعودية، وأنها إنْ تراجعت عن قرار إعدام النمر فإن عليها التزاماً أخلاقياً بأن تتراجع  أيضا عن أحكام الإعدام الأخرى، التي طالت عشرات من المتشددين، ممن ارتكبوا أعمالا إرهابية أو حرضوا عليها.

إيران كما يبدو كانت جاهزة للتصعيد والتحشيد، وكانت تنتظر الذريعة، بهدف خلط الأوراق الإقليمية من جديد. لكن الواضح أن هذا المسعى لن يثني الرياض وحليفاتها. ولو كانوا في وارد مثل هذا التراجع لما تمسكوا بمواقفهم، لا في قضية إعدام الشيخ النمر، بل في كل الملفات الإقليمية العالقة.

والذين يتخوفون من توتير الأجواء الطائفية في المنطقة، عليهم أن يتذكروا أن هذه الأجواء موجودة قبل إعدام النمر وستستمر بعد إعدامه، فهي صناعة إيرانية، بدأتها طهران منذ وصول النظام الحالي للسلطة عام 1979، حيث طرحوا، آنذاك، فكرة تصدير الثورة التي كانت المدخل الرئيسي لكل التواترات الإقليمية اللاحقة.

الرياض التي حاولت في مرات ومناسبات سابقة إسترضاء القيادة الإيرانية، والتسامح عن بعض تجاوزتها، وفتح حوار معها كانت تصطدم دوما بمراوغة ممنهجة، تنتهي بخلق معطيات، وحقائق سياسية تزعزع الثقة، وتؤدي بالعلاقات إلى مزيد من الانتكاسات والتراجعات.

الحزم الذي واجهت فيه الرياض تداعيات الحملة التي تشنها طهران على خلفية إعدام الشيخ النمر، ليس موقفاً سياسياً طارئاً أو مفاجئاً، بل هو عنوان مرحلة جديدة، في السياسة السعودية والخليجية، بدأتها في مواجهة محاولات التدخل في البحرين، وعززتها بالتصدي للتدخل في سوريا، قبل أن تقف بقوة أمام التمدد الحوثي المدعوم من إيران في اليمن.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com