ماذا يحدث عندما نتحدث عن المرأة؟

ماذا يحدث عندما نتحدث عن المرأة؟

رفيعة الطالعي

عند الحديث عن أي موضوع يتعلق بالمرأة، مثل قضايا المساواة، والعدالة، وعلاقة المرأة بالرجل والمجتمع، التربية والعمل، وكثير من القضايا الأخرى، عند الحديث عنها مع الرجال تحديدا، كأن عملية سريعة تحدث في الدماغ، والمنطق الذي يحمله العقل يتحول إلى آخر، جاهز في صندوق خاص عنوانه (المرأة)، يتقدم هذا الصندوق إلى الأمام، ويلغي المنطق الذي تناقش به كل القضايا، ويصبح من الصعب جدا إقناع الطرف الآخر (الرجل غالبا) بأن يعيد إلى رأسه ذلك المنطق العادي الفطري البسيط.

هناك من يؤمن بشكل نظري أن المرأة شخص مساو للرجل على الأقل من الناحية الإنسانية، من قبيل أنها تحتاج نفس الحاجات، وتجوع وتعطش وترغب وترفض. ورغم ذلك تعامل بطريقة تعني أنها لا تساوي الرجل تماما، لأنها تختلف عنه بيولوجيا أو شكليا كما يقولون، والحقيقة أن هذا الاختلاف هو لصالح المراة ما يعني أن هذا الاختلاف يؤهلها للحصول على ميزات أكثر من الرجل ولايعني الضعف والهشاشة.

هناك منطقان يتعامل بهما بعض الكتاب أوالباحثين أو الدعاة، الأول كرامة المرأة وعزتها والأفضل لها أن لا تكون مثل الرجل. فالرجل فرض عليه أن يعيلها مثلا من الناحية الاقتصادية وفرض عليه أن يوفر لها ما تحتاجه. وطبعا كل هذا يحتمل التأويل والتفسير على عدة أوجه. من هؤلاء من يريد فعلا الخير للمرأة ولكن من وجهة نظره، ما يعتقد أنه الخير لها، ولايتساءل عما تريده المرأة لنفسها.

الفريق الآخر هو يدعم المرأة لكنه لايؤمن أبدا أنها يمكن أن تقوم بما يقوم به الرجل لأنه ببساطة أقوى من الناحية العضلية أو الجسمانية. يمكنها الحصول على هذا الحق أو ذاك ولكن لايمكن أن تمارس حياتها على أساس أنها مساوية للرجل، ولايمكنها أن تقوم بما يقوم به الرجل. هناك خوف حقيقي من فكرة: ماذا لو بإمكان المرأة القيام بما يقوم به الرجل فعلا؟ إن مجرد السؤال أمر مرعب، فالشك لايدور حول قدرة المرأة الفعلية وإنما عما يمكن أن تفعله لو أعطيت لها الحقوق التي لدى الرجل. هناك من يعتقد أنه بإمكانها فعل ذلك، ولهذا يجب ألا تعطى حقوقا مساوية لأن ذلك يهدد منزلة الرجل، ويهدد قيما اجتماعية كثيرة.

وهناك فريق أخير متردد، هو يعتقد أن المرأة كائن مساو للرجل ومن باب العدالة أن تحصل على الحقوق التي لاتزال تكافح من أجلها سواء على مستوى القوانين، أو على مستوى الاعتراف الاجتماعي. ولكن هذا الفريق يخاف أيضا من أن تصبح المرأة منافسة له في المزايا ، والخوف هنا لايتعلق بالحقوق فقط وإنما يتعلق بالحرية التي يمكن أن تحصل عليها المرأة أو ستكتسبها بإقرار حقوقها الكاملة.

في مجتمعات محافظة مثل مجتمعاتنا، تقع مكانة المرأة على مسافات متفاوتة بين منزلتين: الأولى إسلام النظرية وما أقره من حقوق ومكانة للمرأة نقلتها من الجاهلية والوأد إلى منزلة إنسانية حيث حرم وأدها و وتوريثها كالمتاع وكثير من الحقوق الأخرى، ولكن هذه النظرية لا تنفذ الآن إلا لتثبت القيم الاجتماعية السائدة، بل وفي أحيان كثيرة استغلت بعض التشريعات لتقييد المرأة أكثر منها لتحريرها. أما المنزلة الثانية فهي منزلة القاصر، فالمرأة على الدوام تحتاج إلى ولي أو محرم أو وصي ليرعى شؤونها أو لإنجاز أمورها الشخصية. تعتبرها بعض هذه المجتمعات الإسلامية قاصرا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فهي تماما كالطفل تحتاج إلى شخص عاقل راشد يقر أفعالها ويسير حياتها.

وللأسف فإن هذا الشخص الوصي أو الولي أو المحرم قد يكون ليس عاقلا أو راشدا، وقد يكون ابنا ربته هذه المرأة التي اعتبرتها التشريعات الاجتماعية وأقرتها القوانين المحلية قاصرا من الناحيتين الاجتماعية والقانونية. وللأسف أيضا أننا عندما نتحدث عن كل هذه التفاصيل لا يبدو أننا ننتمي إلى القرن الحادي والعشرين، يبدو أننا نقرأ تاريخا أو فصلا في رواية تاريخية، لكن هكذا هو حال المراة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، فعلى الرغم من مظاهرة التقدم والتطور ورغم طفرة التعليم، ورغم الاحتكاك بثقافات متعددة، غير أن هذا كله لم يغير كثيرا في الثقافة التي ورثها المجتمع، ولايزال يقاتل للحفاظ على موازين القوى ذاتها.

وعندما أتحدث عن هيمنة الثقافة الاجتماعية التقليدية هنا لا أعني السيطرة الذكورية، وإن كان ذلك صحيحا“ أيضا“، وإنما إضافة إلى ذلك المرأة نفسها، التي تصبح أداة من أدوات السلطة الاجتماعية التي تعمل على تعزيز القيم المتوارثة، وثبات السائد الاجتماعي. هل تقوم المراة بهذا الدور طواعية وبفهم كامل؟ وهل تقوم بمناصرة قيم تضعها في مرتبة أدنى من تلك التي يتمتع بها الرجل بوعي ومعرفة لا تشوبها المغالطات والاستدلالات الخاطئة؟ تساؤلات سنحاول الإجابة عليها في مقالات أخرى مقبلة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com