وهم البقرة المبروكة في ريف مصر – إرم نيوز‬‎

وهم البقرة المبروكة في ريف مصر

وهم البقرة المبروكة في ريف مصر

محمد الغيطي

المصريون في ريف مصر، وبالتحديد قرى محافظتي البحيرة وكفر الشيخ لا حديث لهم هذه الأيام إلا عن البقرة المبروكة، والتي أطلقت عليها الميديا البقرة المقدسة، ولأنّنا في ليالي الشتاء القارسة، ولأنّ الناس زهقت وملت من برامج التوك سو، وأخبار العنف والقتل في سيناء والمنطقة كلها، هنا يتدفأ المصريون بكلام المعجزات والخوارق وليس ألذ من حواديت المساء حول (راكية النار ) والفول السوداني والشاي الأسود إلا هذه القصص الخرافية.

قصة البقرة لم تتناولها فقط وسائل الإعلام المحلية ولكنها تحولت إلى مادة جذابة في الصحف العبرية والعالمية، فكتب مراسل الواشنطن بوست القصة مصورة، وبخبث شديد عندما قال: إن العجز والفقر جعل المصريين يتشبثون بأي أمل لشفاء أمراضهم التي عجزت الدولة عن محاصرتها خلال سنوات.

لكن من قال إن الغرب لا يعيش على أوهام من هذا النوع وحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية فإن أوربا وأمريكا تنفقان ما يساوي ربع فاتورة الصحة العالمية على الدجالين والمشعوذين والقساوسة والكهنة، لعلاج أمراضهم المستعصية، ولطلب الأمان الروحي والنفسي.

نعود لقصة البقرة يقول الحاج محمد أحمد فودة ( مزارع ٥٨عاما ) وهو صاحب البقرة: إنه اشتراها منذ عام فقط على أمل أن تلد له بعد تخصيبها، ولكنه فوجئ منذ شهرين وهو يقدم لها الطعام في الصباح أن ضرعها ينزل منه اللبن على الأرض، واستغرب لأنّها لم تلد أصلا لتدر لبنا – حسب قوانين الطبيعة – فقام باستدعاء زوجته فقالت له: ربما قرصها ثعبان فاستدعى الطبيب البيطري الذي كشف عليها وقال: هذه أول مرة أرى بقرة تدر كل هذا اللبن قبل الولادة وقال له ضاحكا (دي بقرة مبروكة ) وتركه وكان على الزوجة أن تفرغ لبنها الذي وزعته على الجيران مجانا، وعند هذه النقطة من الحكاية، يبدو الأمر عاديا جدا، لكن المفاجأة في اليوم التالي.

صباح اليوم التالي، فوجئ الحاج محمد بطابور بالأهالي يطرقون باب بيته ويحملون أوعية لطلب اللبن، وسألهم عن السبب، وتوالت الأساطير؛ أحد الجيران كان يعاني من مغص مزمن حير الأطباء، قال له المغص: راح بشرب اللبن، وآخر كان ابنه يعاني من رعشة لمرض في الأعصاب، قال اللبن: أوقف الرعشة، وفتاة كانت تعاني من الصداع النصفي الدائم قالت: الصداع خفّ بشرب اللبن، وتوالت القصص مثل كرة الثلج في المدن والقرى المحيطة، ووصل الأمر إلى أنّ مرضى الفشل الكلوي اجمعوا على أنّ لبن البقرة عالجهم من عذاب الغسيل الاسبوعي في مستشفى المركز، ثم انضم لهم مرضى فيروس سي رغم توفير الدولة للدواء مجانا، وأمام الطوابير التي فوجئ بها صاحب البقرة، تزداد كل يوم، اضطر لنقلها من زريبة منزله إلى مكان أوسع وأرض فضاء وبنى لها سورا ثم بدأ يوزع اللبن بالسرنجة، وحتى كتابة هذه السطور ما تزال الجموع الغفيرة تتوالى لقرية كفر سعد، التي تحولت لأول مرة إلى مزار سياحي شعبي، وقلبت حياة أهل القرية، وأصبح حول مقر البقرة محلات ومقاهٍ لخدمة الزائرين.

ماذا يقول الأطباء في أمر البقرة؟ الدكتور علاء عثمان وكيل وزارة الصحة بالمحافظة، هاجم المرضى، وصاحب البقرة، وقال: إنه كتب تقريرا للوزير، لاتخاذ الإجراءات القانونية والقبض على البقرة. وصاحبها والدكتور عبيد صالح عميد كلية الطب البيطري قال: إن إدرار اللبن ناتج عن اضطرابات هرمونية أدت لزيادة هورمون البرولاكتين المسؤول عن إنتاج اللبن في الأبقار، وإن اللبن الذي يتعاطاه المرضى لا يشفي، ويمكن أن يضرّ، وطالب بأخذ عينة لتحليله.

في كل الأحوال هذه القصة تذكرنا بقصة الأديب يحيى حقي قنديل، وأم هاشم والتي تحولت لفيلم وتدور حول زيت قنديل بمسجد السيدة زينب بالقاهرة، فقد كان مرضى العيون يقفون طوابير ليأخذوا منه قطرات لعلاج عيونهم، وانتهت القصة بالبطلة، وقد أصيبت بالعمى تماما، وفي مجموعة سُرَّه الباتع ليوسف ادريس، يتجمع أهل القرية حول مقام شيخ يقدمون له النذور والأموال لعلاج أمراضهم وتزويج بناتهم وزيادة أرزاقهم، وعندما يدخل لص ليسرق النذور يكتشف أن المقام تابوت فارغ لا يوجد به شيخ.

السؤال، هل ما يزال رغم كل التطور التكنولوجي وثورة الاتصالات يوجد بين بني البشر من يستسلم لأوهام وخرافات القدرات الخفية التي تتحدى العلم الحديث، أم أن هناك أسبابا نفسية واجتماعية مرتبطة بالجهل وتزييف الوعي مع العجز في مواجهة المرض والعوز؟ ربما تكون كل هذه الأسباب مجتمعة، لكن من يريد تفسيرا أعمق عليه قراءة كتاب (هتاف الصامتين) لعميد علماء الاجتماع الراحل د. سيد عويس، أنه يفسر كل هذا بأن الإنسان خلق ضعيفا، وفي العالم الثالث هو أضعف، ومقهور من الأنظمة وخائف من كل شيء، وربما يكون قد وجد الحل عند البقرة، وشعر معها ببعض الأمان والراحة، ولله في خلقه شؤون!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com