سخرت من المجتمع.. “فانكويت” بناره

سخرت من المجتمع.. “فانكويت” بناره

أسامة إمام

تعرفتُ على طبيبة أمراض نساء وتوليد منذ عشر سنوات، تُدْعَى “جميلة” حملت ملامحها صفة اسمها رغم تجاوزها سن الخمسين، وكان لها نصيبًا من الثراء والشهرة، إلا أن “نَبْرَة” التعالي والسخرية وبخاصة من أبناء الطبقتين الوسطى والدنيا، كانتا السمتين الأبرز لديها، كما أنها لا تحمل مبررات لذلك، مما كان يصعب من التعامل معها ومع هذا صبرت عليها طويلًا.

كنتُ على يقين بأن داخل هذا الكائن المتعجرف “طفلة” حزينة، لم أرغب في أن أجبرها على سرد قصتها، ولم أسألها يومًا عن آرائها حول أي أمر، رغم أنها تمتلك آراءً عبقرية في قراءة المشهد السياسي، مستخدمة أدواتها العلمية وذكائها الفطري.

إلا أن وجهها الذي بات شَاحِبًا من شدة الحزن حوَّل هذه المرأة الجميلة إلى عجوزٌ تجاوزت التسعين من عمرها، رغم ما لديها من مميزات تدفعها لتكون خارج هذه الحالة البائسة، وبحكم صداقتي لها، لم أتحمل أن أراها هكذا، فسألتها عن أحوالها، فأجابتني: “أردت أن أنتقم من المجتمع، إلا أن الله ابتلاني في أعز ما أملك”، قلت لها: “مش فاهم”، فأخذت تسرد لي قصتها، وتأتي في السطور التالية.

كنت من أوائل الثانوية العامة في محافظتي، وتقدم لخطبتي مهندس “شاب” عائدًا من الخليج ويكبرني بخمسة عشر عاما، وكان ثريًا، فقبلت به أسرتي دون أخذ رأي، وكان “العريس” يريدني أن أكمل دراستي في أي من الكليات “النظرية”، ولكنني تمكنت بعد الزواج أن أقنعه بالالتحاق بكلية الطب، ورغم أنه كان يشملني بحنانه ورعايته ماديًا ومعنويًا، حتى أنه في إحدى المرات دار بيننا هذا الحوار: “تشربي إيه؟، فقلت: لبن العصفور، فضحك وقال: والله لو موجود مش خسارة فيكِ”.

إلا أنني كنت أنظر دائمًا لنصف الكوب الفارغ، وكنت أنظر لزميلاتي “الآنسات” على أنهن أفضل حالًا مني، إلى أن تخرجت ورُزِقْتُ بابني الوحيد “حسام”.

ومع تقدمي في العمر زادت عقدتي أكثر فأكثر، وجعلت زوجي يفتح لي عيادة في موقع متميز، فانكببت على العمل وبدأت في كسب رزقي من “عرق جبيني” ثم زاد الشرخ بيني وبين زوجي، فأنا الآن مستقلة ماديًا، وللأسف بدأت في قبول عمليات مشبوهة من “إجهاض إلى إعادة عذرية”، وكنت أحدث نفسي قائلة: “أنا بسخر منك يا مجتمع الفضيلة”.

كما كنت أنهر الفتيات وأتحدث إليهن بلهجة متدنية، إلا فتاة تُدْعَى “سهام”، قالت أنتِ على قدر متواضع من الجمال والذوق، وكانت كلماتها كالسهام، فلم تكذب عليّ وتبكي وتقول “الشيطان أو الإنسان ضعيف”، بل كانت متعجرفة مثلي، وقالت لي: “ده مجتمع حقير وأنا عملت اللي أنا عايزاه وبكره هتجوز واحد غبي فاكر نفسه حاجة، وأنتِ واخدة فلوس كتير لأنك شريكة، فمش من حقك تنطقي بكلمة”.

ومرت السنون، وجاء “حسام” ابني ليخبرني أنه أحَبَّ زميلة له في العمل، وهي من أسرة مُيَسَّرة الحال، وخجولة، كما أنها تبادله الحب ولا تقوَ على العيش بدونه، وسألت عن عائلتها فوجدتها كما أخبرني عنها ابني.

وكانت الطامة الكبرى يوم ذهبنا للتقدم لخطبة العروس، والتي صعقتني رؤيتها: “سهام؟! مش معقول”، هكذا كان هو لسان حالي، ولم اقدر أن اخفي مشاعري نحوها حيث ظهرت العداوة بيننا واضحة للكل من أول نظرة، ورفضت سهام الزواج من ابني، بحجة أنها لا تشعر بانسجام معي .

بالتأكيد شعرت بفرحة وارتياح، لأنني اعتقدت أن الموضوع انتهى عند هذا، إلا أن الانتقام الإلهي بدأت فصوله، حيث أصيب “حسام” ابني باكتئاب شديد صاحبه مرض عضوي بمعدته “لم يُشَخَّص حتى الآن”، وكانت نصيحة الأطباء أنه يحتاج إلى علاج نفسي وليس عضويًا، حيث لم تفلح معه أي أدوية، وبعد عامين من المحاولات اليائسة ساءت حالته، وفُصِلَ من عمله بسبب تغيبه.

وهنا تَدَخَّل الأب، وبدأ يسألني: “ليه رفضتِ بنت الأصول سهام؟، على فكرة ده ذنب البنت الطيبة الخجولة، أنتِ اللي أفسدتِ الجوازة بتكبُّرِكِ”، فعجزت عن إجابته.

وأخيرًا، وليس آخرًا، قررت الذهاب إلى “سهام” وتوسَّلتُ لها أن تقبل ابني زوجًا لها، وركعت تحت قدميها، إلا أنها أخبرتني أنها ترفض أن ترتبط بشخص والدته بهذه الأخلاق، كما أنها أصبحت “خطيبة” لشخص آخر.

ثم سألتني عن رأيي ونصيحتي لها، فقلت لها: “يا سيدتي من يزرع وردًا يجني وردًا، ومن يزرع شوكًا يجني يديه، الحل ليس لكي فحسب، ولكن الحل لكل جاهلة متكبرة تنظر لنصف الكوب الفارغ.. احذري انتقام الله”.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع