اضطهاد الأقباط و البرلمان المصري

اضطهاد الأقباط و البرلمان المصري

محمد بركة

عاش الأقباط ردحا من الزمن بمصر باعتبارهم الورقة التى تسعى كل الأطراف الى توظيفها لخدمة مصالحها دون النظر الى طبيعة همومهم الحقيقية كأناس كانوا يوما ما السكان الأصليون لهذه البلاد حتى أن كلمة ” قبط ” مشتقة من كلمة ” جبت ” بمعنى ” أرض ” في اللغة الهيروغليفية و التى تبلورت أخيرا في الكلمة الانجيليزية ” إيجيبت ” . الغرب ممثلا بواشنطن و الاتحاد الأوربي يدخرهم لوقت اللزوم ليبتز بهم السلطة في القاهرة بالحديث عن ” اضطهادهم ” كأقلية دينية ، و الجماعات الإسلامية تغير على محلاتهم لبيع الذهب و تهاجم كنائسهم فى موجات موسمية بلغت ذروتها مطلع التسعينيات باعتبارهم كفرة – و في أحسن الأحوال أهل زمة – و ليسوا مواطنين كاملى الأهلية . عموم الشعب فقدوا حسهم المتسامح تاريخىا و استسلموا لأفكار متشددة جاءتهم مع موجات المصريين العائدين من احدى الدول الخليجية . و انتشرت على المقاهى و عربات الميكروباص وبالأسواق الشعبية عبارات هادئة النبرة ،صارخة الدلالة من نوع :

– ذهبت لطبيب شاطر كتب الله الشفاء على يده رغم إنه مسيحى !

و رغم أن الدولة في عهد مبارك لم تكن تمارس اضطهادا ممنهجا ، إلا أن تمييزا ما كانت لا تخطئه العين تمثل في عدم وصول الأقباط الى المناصب القيادية بأجهزة الأمن الحساسة و الاستخبارات و الهيئات السيادية عموما ، بل إنه كان من المدهش أن مصر لم تشهد قبطيا يتولى منصب ” محافظ ” على مدار عشرين عاما ، في الوقت الذي كان الساسة الأقباط يشكلون الحكومة و يقودون المعارضة في العصر الذهبي لليبرالية المصرية بالأربعينيات و الخمسينيات . انكفأ اخوتنا الأقباط على أنفسهم . تراجعت مشاركتهم السياسية تماما . لم تعد الكنيسة مجرد دار عبادة و مركز للنشاط الروحى بل صارت هى الدولة و الوطن و الحزب !

على هذه الخلفية ، يمكن النظر الى نتيجة انتخابات البرلمان المصري في طبعتها الأخيرة باعتبارها تحمل انقلابا في جميع المفاهيم و التصورات المستقرة سلفا . ست و ثلاثون مرشحا هم اجمالى عدد الأقباط الفائزين منهم اثنى عشر نائبا فازوا بالانتخاب الفردى كمستقلين بعيدا عن وجودهم ضمن قوائم . نتيجة غير مسبوقة في الحياة البرلمانية المصرية التى تمتد الى منتصف القرن التاسع عشر .كان الفشل يلاحق مرشحى الأقباط في برلمانات مبارك باستثناء حالات فردية لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة كل عشر سنوات ، حتى أن كهنة الحكم كانوا لا يجدون مفرا من استغلال حق رئيس الجمهورية في تعيين خمسة بالمئة من اعضاء مجلس الشعب فى ” ترضية الاخوة المسيحيين ” كنوع من جبر الخواطر ! و اللافت أن الأقباط اكتسحوا في دوائر اصطلح على تسميتها بمعاقل لجماعة الإخوان مثل عين شمس و دار السلام ، كما اكتسحوا في دوائر لا توجد بها كتلة تصويتية مسيحية مثل عابدين و باب الشعرية و المقطم و الخليفة و مصر القديمة . و المعنى أن الاقباط عادوا بقوة للمشهد السياسي و أعطى الشعب نوابهم فرصة العمر بعيدا عن المساومات و المواءمات القديمة بين السلطة و الكنيسة . بالطبع لا يعنى هذا أن جميع مشاكل الاقباط انتهت بجرة قلم ، و لكنه يعنى أن عهدا جديدا بدأ و شمسا أشرقت لتضيء كهفا طالما استسلم للبرد والظلام .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع