استباحة عربية

استباحة عربية

أحمد مصطفى

كان مفترضا بعد أربع سنوات من “الربيع العربي” أن تكون المنطقة استقرت على “فجر” جديد يوفر الأمل لشعوبها ويعزز من تقدم دولها و.. و.. إلى آخر كل تلك الايجابيات والتطلعات.

لكن يبدو ان “الفجر” العربي لم يكن بذاك القدر من الإضاءة لينير حياة شعوب المنطقة في طريق تطورها.

لم يشكل التغيير المأمول “اصطباحة” جديدة للعالم العربي، بمعنى بداية نهار طبيعية جيدة وكأن لسان اللغة اعوج فجاءت “الاصطباحة” على طريقة السخرية من لغة المدعين مقلدي الفرنجة.

هل من يذكر إحدى قصائد الشاعر السكندري الساخر بيرم التونسي بعنوان “ضبة معووجة” والتي يسخر فيها من سيدة تلوي لسانها أو “تعوج ضبتها” وبدلا من قولها أن قطار طنطا الذي ركبوه عصرا تعطل ووصل محطة مصر، يقول بيرم على لسانها:

قــــالت لى : فى أتـــر تانتــــا ، ركـــــبَّونا العســــــر

اتعــتل الأَتــــر ، ووسِــــــــــلنا محـــــــتةِ مســــــــــر

وتصورت أن “اصطباحة” العرب على ربيعهم تحولت ـ للسخرية الواقعية الأشد مرارا ـ إلى “استباحة” لأجواء وأراضي ومقدرات بلدانهم من قبل كل من هب ودب: فرس، ترك، روم، وغيرهم  ….

نعلم أن الذريعة الكبرى لكل تلك الاستباحة العربية هي تحت شعار “مكافحة الإرهاب” وهذا الغول المسمى داعش، وإن كان الواقع يشهد بأن داعش يتمدد (أو على الأقل لا ينكمش) رغم تلك الاستباحة للعراق وسوريا (مبدئيا، ومن يعلم ماذا بعد) جوا وبرا وبحرا.

فالقوات الإيرانية موجودة في سوريا والعراق، ومعها ميليشيات حزب الله اللبناني تحارب داعش. والقوات الأمريكية في العراق والروسية في سوريا تحارب داعش. ودول عديدة تسلح الأكراد ليحاربوا داعش. وتركيا تذبح الأكراد في حربها ضد داعش.

والآن فرنسا وبريطانيا، وحتى ألمانيا التي لم تحارب منذ الحرب العالمية الثانية، يحاربون داعش مستبيحين الأجواء والمياه الإقليمية، بل وتقوم طائراتهم ببروفات فوق ليبيا بانتظار “نقل” داعش إليها بقدر أكبر.

حقا، هذا كثير .. ومهما كانت داعش، او غيرها من التنظيمات الإرهابية، أفلم يكن بإمكان “الأنظمة القمعية” في المنطقة ان تبطش بهم وتفنيهم كا تفعل بمعارضيها ـ حسب تقارير المنظمات الحقوقية الغربية!

أو لم تكن “تجريدة” عسكرية من دولة عظمى من كل تلك الدول “المستبيحة” للسيادة العربية قادرة على محو داعش وما يسيطر عليه من أرض وعتاد!

يكاد المرء يظن أن هذا الغول الداعشي إنما أوجد لتبرير تلك الاستباحة، وحتى الابقاء على اوضاع طائفية ومتطرفة وعنصرية في بلدان المنطقة تبقي عليها مشتعلة ما بعد، بعد، بعد “الاستباحة”.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع