معركة كالديران في ذاكرة ايران

معركة كالديران في ذاكرة ايران

موفق محادين

ما من حاضر بمعزل عن الماضي ، والفرق الوحيد بين ماضي وحاضر هذه الدولة او تلك هو الوزن النسبي للعناصر والتاثيرات السياسية والاقتصادية والايديولوجية قياسا بالمكان والزمان و لحظة الصراع وسياقاتها المختلفة .

ومن ذلك ، لا يمكن رد الاهتمام الايراني بالصراع الدائر في الاقليم والذي لا يقتصر على سوريا والعراق ويمتد الى كامل القوس الاسيوي وضفاف قزوين والاسود وممرات النفط والغاز والتجارة الدولية وحسابات التداخل الديموغرافي ، القومي والمذهبي ، لا يمكن رده الى الحاضر فقط ، فالماضي يجثم بقوة على الحسابات السابقة كما تجثم السياسة في ارثها الطويل الثقيل على صدر الاحياء في مطابخ ودوائر القوى المتصارعة وخاصة في طهران واسطنبول .

وليست الاشارة هنا الى اسطنبول (اسلامبول في الواقع) وليس الى انقرة (العاصمة التركية) اشارة عابرة او (خبيثة)، فأنقرة لاتزال ( العاصمة العلمانية) في الذاكرة التركية وغير التركية، مقابل اسطنبول وما تحمله من دلالات للانبعاث العثماني ، كما تنبأ له ودعا اليه بريجنسكي مسؤول الامن القومي الامريكي الاسبق في سياق دعوته لاستباق صحوة الدب الروسي حول قلب العالم او الهارت لاند (اوراسيا) التي تقرر مصير العالم في العقود التالية..

في ضوء ما سبق ، فإن واحدا من اسباب ومكونات المنطقة بما فيها سوريا والعراق ابعد من تصديرات الميديا والشحن الاعلامي البسيط والمبرمج في الوقت نفسه، سواء كان صادرا عن بعض مناصري النظام العراقي السابق وخطابهم عن (الفرس المجوس) او عن بعض الجماعات الاسلاموية التي ترى فيه صراعا مذهبيا ..

ومن مفارقات ذلك ، التوقيت الذي يربط بين تصاعد الاهتمام الايراني وبين خريف 1514 الذي شهد موقعة فاصلة بين تركيا العثمانية وايران الصفوية، هي معركة كالديران او جالديران ، فماذا عن ذلك:-

1. وقعت المعركة بين عائلتين ، الاولى كانت تحكم اسيا الصغرى والثانية كانت تحكم بلاد فارس ، وهما عائلة ال عثمان ، والثانية العائلة الصفوية

2. ان العائلتين من اصل تركي ، بل ان الصفويين يعتبرون انفسهم اكثر نقاء في نسبهم التركي الى صفي الدين الطوسي من اذربيجان ، ومن اسم (صفي الدين) عرفوا بالصفويين

3. مقابل تشيع اسماعيل الصفوي ، فإن خصمه العثماني ، سليم الأول ، لم يكن سنيا بالمعنى الشائع ، فهو كما عموم (الاسلام التركي انذاك ) كان خليطا من افكار ابو حنيفة (الذي كان يجاهر بعلاقته بالامام جعفر ، مؤسس الطريقة الاثني عشرية الشيعية) ومن الافكار الصوفية وخاصة طريقة الدراويش ومنها البكتاشية (ايديولوجيا الانكشارية في الجيش العثماني) ، بل ان السلطان سليم الأول عرف بملاحقته للحنابلة (انصار الامام احمد بن حنبل) وباعجابه بابن عربي المتصوف الكبير المعروف

4. ان مذهب ولاية الفقيه الذي تبناه اسماعيل الصفوي كان من بنات افكار شيعي عربي هو الشيخ اللبناني علي الكركي الذي تعود اصوله الى قبائل عاملة التي هربت من الاردن بعد ملاحقة صلاح الدين الايوبي للفاطميين

5. جرت المعركة بين جيشين غير متكافئين لا في العدة ولا في العتاد، فقد كان الجيش العثماني مزودا بالمدفعية وينوف عديده على ال 150 الف مقاتل مدرب، مقابل حوالي خمسين الفا في جيش اسماعيل الصفوي ، معظمهم من القوزال باشي (اتراك من اذربيجان)

6. بخلاف ما اعلن من حرص متبادل على (صحيح الدين) عند الطرفين كعنوان للمعركة فقد جرت للسيطرة على طرق التجارة وخاصة تجارة الحرير والعبيد.

ويشار هنا الى ان الصراع على تجارة العبيد كان من اسباب الصراع اللاحق بين الاستعمار البريطاني وبين ما عرف بالثورة المهدية في السودان ، ومما يؤكد ذلك بالنسبة للسلطان سليم الأول الدور الذي لعبه العبيد وخاصة الخصيان في البلاط العثماني لاحقا.

7. في خلفية هذه المعركة والجانب التجاري فيها لا بد من الانتباه الى عنصرين هما :

الاول ، دعم بل تحريض تجار البندقية وجنوى للسلطان سليم الاول مقابل دعم البرتغاليين لاسماعيل الصفوي .

الثاني، تحول طرق التجارة الدولية نفسها الى محورين جديدين، رأس الرجاء الصالح جنوبا . ومحور قزوين – الاسود شمالا، مما يفسر ايضا افول دولة المماليك في مصر مقابل دولة العثمانيين في اسيا الصغرى

8. ان هذه المعركة التي يحتفي بها بعض العرب باسقاط على ما يجري، هي التي اسست ايضا لسقوط العرب تحت سيطرة سلاطين ال عثمان طيلة قرون كاملة بعد معركة جالديران بسنتين.

9. وفيما يخص ايران الحالية، ومع التطور الذي جرى على ميزان القوى بين البلدين ، فإن معركة جالديران او كالديران ، اكثر من ذاكرة ، وتؤشر على ان ايران ،ربما ترى في المحاولات التركية في سوريا والعراق ظلالا لاستعادة مناخات هذه المعركة بصورة او باخرى ، وربما تذهب اكثر من ذلك في ثأر استراتيجي مستند الى اختلال ميزان القوى الاقليمي والدولي لمصلحتها ، بالاضافة للاتفاق النووي ، ولعلاقتها القوية مع الدول الكبرى في البريكس (روسيا والصين)

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع