روسيا … ومصر النووية

روسيا … ومصر النووية

إميل أمين

هل هي مصادفة قدرية أم موضوعية أن تكون مشروعات مصر العملاقة شراكة مصرية سوفيتية في الماضي غير البعيد، وفي المستقبل القريب علي حد سواء؟

في زمن الرئيس عبد الناصر خسر الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة فرصة ذهبية لتوثيق العلاقات مع مصر، ولإيجاد موطئ قدم لواشنطن في أرض الكنانة، بعد رفض تمويل السد العالي، وقد أقبل الاتحاد السوفيتي علي الأمر إقبالا لا يزال محمودا من المصريين حتى الساعة لما للسد من فوائد، ورغم كل المثالب التى تحدث بها البعض.

لماذا هذا الحديث الآن؟

حكما أن توقيع مصر وروسيا الاتحادية الأيام القليلة الماضية اتفاقية بناء أول مفاعل نووي لمصر في منطقة الضبعة علي شاطئ البحر الأبيض المتوسط، هو منشأ الكلام ومبتدأه وخبره، وهو مدعاة لكثير من نقاط تحليل المشهد بعناية.

يأتي التوقيع علي الاتفاقية في ظل ظروف غير طبيعية، وعلي هامش حادث مأساوي أودي بحياة أكثر من مائتي روسي في طائرة شرم المنكوبة، وتوقف السياحة الروسية إلي مصر. وقد خيل للبعض أن الحادث سيكون بمثابة القشة التى تقصم ظهر العلاقات الروسية ـ المصرية.

غير أن الفهم المتبادل والكيمياء عالية التناغم بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والمصري عبد الفتاح السيسي استطاعت تجاوز المشهد لإدراك الطرفين ما وراء الأكمة من محاولات دوؤبة لقوي امبريالية بعينها لا يعجبها أو يرضيها في الحال أو الاستقبال عودة الدب الروسي الذي لا يقيد إلي شمال أفريقيا، أو أن يجد له مؤطئ قدم علي ساحل البحر الأبيض المتوسط من جديد، ولهذا كانت محاولة إفساد العرس المصري – الروسي بأي ثمن.

يستلفت النظر التكلفة العالية للمفاعل النووي المصري الجديد، وبخاصة في ظل الضائقة الاقتصادية التى تعيشها مصر والمؤامرات المستمرة تجاهها صباح مساء كل يوم، وعلامة الاستفهام في هذا المقام :“ من أين لمصر؟

المفاجأة أن الروس سيتحملوا التكلفة التى تقدر بمليارات الدولارات، أما السداد فسيكون علي 35 عاما، وبدون أن تتحمل الخزينة المصرية في الحال أي تكلفة، بل سيكون السداد من عائد إنتاج المحطة.

النقطة الأهم المرتبطة بهذا المشروع هي العائد التنموي والمردود بعيد المدى لهذا العمل العملاق، ذلك أنه إذا كانت مصر تمتلك الأرض والسواحل والسواعد الشابه، وعلي أبواب مشروعات عملاقة مثل تفريعة قناة السويس والمناطق الحرة علي جانبيها، عطفا علي استصلاح ملايين الأفدنة، وإعادة تدوير ما قد توقف من مصانع، فإن ذلك كله يستلزم المزيد من الطاقة، اللازمة لتوليد الكهرباء، وليس أرخص من المحطات النووية لتوليد مثل هذه الطاقة، كمدخل للتنمية الحقيقية والمستدامة.

من عادة الرئيس بوتين أن يتصل برؤساء الدول التى يتم توقيع اتفاقيات معها، بعد التوقيع، غير أنه في الحالة المصرية كان رجل روسيا الحديدي، القيصر الثاني بعد بطرس الأكبر، يهاتف منقذ مصر من الظلام والظلاميين مهنئا ومباركاً، ومؤكدا علي أن الأسافين لن تنفع ولن تجدي في وقف الشراكات المصرية ـ الروسية.

يقدم الروس علي تقديم يد العون للمصريين في هذا التوقيت الذي تحاصر فيه أوربا وأمريكا روسيا اقتصاديا عقابا لها علي التدخل في شبه جزيرة القرم، أي أنها تساعد الأصدقاء رغم ظروفها الاقتصادية، وهو شأن أضافي لتمتين علاقات الشعبين لن ينساه المصريون أبدأ للروس.

وماذا عن الولايات المتحدة الأمريكية؟ وكيف سيكون رد فعلها هذه المرة؟

يؤكد ”شوان لاي“ رئيس وزراء الصين العتيد، أنه لا يهم ما يعتقده الآخرون، بل الأهم ما نحن عليه في الحال، وما ننويه في الاستقبال،بمعني أن مصر والمصريين لا يسعون للشجار أو لإقامة جدار مع الأمريكيين، بل يمضون في طريق الحوار، مهما كانت درجة الخلاف، والعارف ببواطن السياسات الأمريكية يدرك أن هناك أنصار كثر لمصر في الداخل الأمريكي، لا يتوجب خسارتهم بتصريحات إعلامية أو مواقف سياسية سطحية.

طرح القضايا يبدأ من الذات، هذا ما تراهن عليه مصر الجديدة، من موسكو إلي واشنطن، ومن بكين إلي باريس، مصر المستقبل الساعية للحياة والنماء لا للموت والدمار، وهذا هو المشروع الإنساني الأهم الذي يكفل نهضة مصر، كما الفينق من وسط الرماد.

تبقي نقطة أخيرة يتوجب الإشارة إليها، فيما خص برنامج مصر النووي للطاقة السلمية، وهي أنه برنامج يتم في النور وعلي رؤوس الأشهاد كما يقال، وبعيدا عن المناورات والمداورات التى قامت بها دول أخري في هذا السياق، ونياتها الحقيقة لا تخفي علي أحد، حتى وأن تماهي معها المجتمع الدولي، إلي حين القارعة.

هذه الشفافية وذلك الوضوح يضمنان لمصر سيرة ومسيرة تنموية حقيقية، ورصيدا وافرا إيجابيا للأجيال القادمة، بعيدا عن الصراعات التى لا طائل من وراءها…

من الفائز الحقيقي في هذا الاتفاق؟ الشعبين المصري والروسي علي طريق إعادة إحياء ”رمز الصداقة“.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com