مولانا والتبريزي في روايتين

مولانا والتبريزي في روايتين

موفق محادين

من الروايات الاكثر انتشارا في السنوات الاخيرة ، رواية (قواعد العشق الاربعون) للكاتبة التركية اليف شافاق (ربما في العربية (ايلاف شفق) ورواية (بنت مولانا) للكاتبة مورل مفروي، وهي كما شافاق من مواليد فرنسا وتكتب بالانجليزية .

وتشترك الروايتان في مقاربتهما لعلاقة شمس الدين التبريزي مع جلال الدين الرومي ، لكنهما تختلفان في شكل المقاربة واداوتها وربما (وظيفتها ) كما تختلفان في توقيت الاصدار ايضا، مما يثير سجالا حول مستوى ومساحة التناص وحدوده .

ابتداء، نعرف ان الزمن الذي عاش فيه جلال الدين الرومي والتبريزي هو القرن الثالث عشر ، وفيما كان الاول المعروف ب (مولانا) يعيش في قونية (التركية) بعد مغادرة عائلته لمدينة بلخ الافغانية ، كان اقرب ما يكون الى ما يعرف (بالظاهراتية) وعالم الدين المجتهد وله تلاميذ في قونية ، فإن الثاني ، شمس الدين التبريزي (نسبة الى تبريز الايرانية) فكان من كبار المتصوفة المتجولين (الدراويش) كما اتهم بالزندقة واهدر دمه .

ومنذ وصوله الى قونية ، بدأت حياة وافكار الرومي بالتبدل على نحو سمح للبعض بمقارنة ذلك بالعلاقة التي جمعت ابن عربي وابن رشد، المتصوف بالعالم..

لم تأخذ تأثيرات التبريزي على الرومي وقتا طويلا فقد كان مهيئا لها بل بانتظارها، وصادف ان ابنته (بالتبني) كيميا كانت كذلك قبل ان يتزوجها ، وبالاحرى قبل ان تكتشف نفسها معه وتتوحد فيه

بعد ذلك ، وفيما يخص تاريخ اصدار الروايتين ، حسنا ان نعرف ان الرواية الاكثر انتشارا وهي ( قواعد العشق الاربعون) لـ (ايليف شافاق) صدرت في طبعتها الاولى عام 2012 ، اي بعد خمسة اعوام من صدور رواية بنت مولانا ( 2007) .

ولا يخلو ذلك من دلالة او يبدو دون مغزى بالنظر الى الاهتمام المفاجيء وفي غضون سنوات قليلة بهذا التجاذب الشرقي بين عالم التصوف والاشراقات والبحث عن الله بوسائط التأمل والحدس الذاتية الفردية ، وبين عالم الشريعة .

واللافت للانتباه في كل ذلك استدعاء الارث اليهودي الثقيل ليجثم على صدر هذه التجاذبات بشكل او باخر ، وهذا هو بيت القصيد في الفرق بين الروايتين او المقاربتين.

في رواية مورل مفروي، لا اقحامات ولا اسقاطات استرجاعية ، ذلك الزمن من القرن الثالث عشر وحسب: التبريزي يحل في قونية ، ويحل في الرومي ، الذي سقط عن بغلته ما ان راه هذا الاخير وسط دهشة تلاميذه ، التي لم تتوقف مع كل يوم يمر على علاقة مولاهم (مولانا) بالتبريزي وخلواته معه وتخصيص جناح له في منزله وزواجه من (كيميا) ابنة الرومي بالتبني ، ولم تقتصر هذه العلاقة على انقلاب (مولانا) وتحوله الى اشبه بالمريد، بل بمظاهر غريبة على (عالم الشريعة) مثل تذوق الموسيقى والنبيذ ايضا الذي لم يميز التلاميذ بين حقيقته المادية وبين ما يكنتهه من اسرار .

في رواية( قواعد العشق الاربعون) تدور الرواية ضمن خطين دراميين متوازيين ومتداخلين، قديم ومعاصر، يجمعها مكان واحد هو قونية.

الأول، القديم، العلاقة التي جمعت بين جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، وزمنها (القرن الثالث عشر) والثاني، المعاصر العلاقة التي جمعت بين الصحفي الروائي عزيز زاهارا وبين الكاتبة إيلا، وزمنها عام (2008).

في العلاقة الأولى، نعرف أن شمس الدين التبريزي، وهو درويش متجول متهم بالزندقة كان حسب ما قال – قد رأى الله في طفولته وأمره أن يبحث عن شريكه، إلى أن يلتقي معه في قونيه (التركية) عام 1244 وهو جلال الدين الرومي العالم الشهير الذائع الصيت في الديار الإسلامية.

ومنذ تلك اللحظة والدرويش يعيد صياغة وجدان وأفكار العالم وينقله إلى فضاءات أخرى.

وكانت البداية عندما التقاه لأول مرة راكعاً عند حصانه (تواضع الدراويش) وسأله من الأعظم يا مولانا (يقصد الرومي) النبي أم الصوفي، النبي محمد الذي قال: يا ربي اغفر لي عجزي عن معرفتك حق المعرفة، أم الصوفي أبو يزيد البسطامي الذي قال طوبى لي، فأنا أحمل الله في عباءتي.

وقد أثارت علاقة التبريزي مع مولانا الرومي تساؤلات الأوساط الإسلامية المختلفة وخاصة تيار التعصب والمتعصبين (وفق الرواية) في إشارة للصراع بين الظاهراتيين وبين الباطنيين، بين (العلماء) وبين الأولياء الصالحين.

فالمجموعة الأولى أقرب إلى التأويلات الأيديولوجية المغلقة الإقصائية، فيما الثانية ظاهرة كونية في مقاربة كلية للأديان والأفكار كما لوحدة الوجود (الإنسان والطبيعة).

وقد انتهت التجاذبات بينهما إلى مقتل الدرويش على يد مجموعة من قطاع الطرق المستأجرين بزعامة (الواوي) الذي يشار له كهارب من بقايا الحشاشين في قلعة إل موت.

لكن موته لم يكن مؤكداً وفق ثقافة الدراويش وعوالمه، إذ أن الواوي ومجموعته لم يسمعوا أبداً صوت ارتطام جثة الدرويش بقاع أو ماء البئر حيث ألقوها وكأنه صعد إلى السماء بدل أن يستقر في القاع.

أما العلاقة الثانية التي جمعت الصحفي والروائي المتجول عزيز زاهار والسيدة إيلا فهي تشتبك مع الأولى عبر تعالق الاثنتين حول تحرير ونشر رواية عنوانها (الكفر الحلو) وتدور حول العلاقة الأولى بين التبريزي والرومي.

فالسيدة اليهودية، إيلا والتي بالرغم من أنها تحمل إجازة في الأدب الإنجليزي إلا أنها لم تجد نفسها في عمل ينسجم مع دراستها واهتماماتها إلا في وقت متأخر بفضل جهود زوجها (ديفيد) الذي فتح لها هذه النافذة بعد أن ضاقت بمغامراته.

وكان أول تكليف لها من قبل (الوكالة الأدبية) في بوسطن قراءة الرواية المذكورة (الكفر الحلو) وإبداء الرأي حولها ومدى مناسبتها للنشر.

وقد وجدت نفسها مدفوعة (بقوة لا شعورية) للتعرف على صاحب الرواية عبر الإيميل إلى أن تطورت هذه (المراسلات الإلكترونية) إلى مشاعر غامضة ثم إلى حالة من العشق والحب ثم إلى لقاء في فندق وكان حميماً وفق القاعدة الأربعين (لا تسأل نفسك ما نوع العشق روحي أم مادي، فليس له تسميات أو تعاريف) وتنتهي العلاقة بموت عزيز بالسرطان كما انتهت العلاقة الأولى بموت التبريزي.

وفي المجمل نحن إزاء ثنائيات محددة واضحة كشفها استهلال الرواية في صفحاتها الأولى:

إذا ألقيت حجراً في النهر سيعتبره النهر مجرد حركة أخرى من الفوضى في مجراه الصاخب، وإذا سقط الحجر في بحيرة، فلن تعود البحيرة ذاتها مرة أخرى.

هكذا كانت حياة إيلا روبنشتاين مثل مياه راكدة.

ولنا أن نضيف بمنطق الرواية، هكذا كانت حياة مولانا جلال الدين الرومي، فالنهر والبحيرة صورتان للعالم (الرومي) قبل تعرفه على الدرويش، وللسيدة إيلا قبل تعرفها على الكاتب المتجول، للعقل البارد، وللقلب الحار.

وبقدر ما تبدو حياة البحيرة أقرب إلى الموت، فإن النهر مع الموت أقرب إلى الحياة وإلى رؤية أنفسنا على النحو الذي يجعل الله أقرب إلينا عبر الحب لاعبر الانعزال في البحيرات الراكدة.. هذا ما حاولت الرواية أن تقوله في القواعد الأربعين للعشق الأخوية التي تمس (التصوف اليهودي) أو المحافل المنسوبة له ومن ذلك:

1. اسم الكاتب المتجول في الخط الدرامي المعاصر للرواية (علاقة السيدة إيلا مع عزيز زاهارا) إذ نعرف أن (الزوهار) واحد من أبرز تجليات التصوف اليهودي.

ويتأكد ذلك إذا عرفنا أن زاهارا هو الاسم الجديد لهذا الكاتب بعد تحوله إلى التصوف، فاسمه السابق اسم اسكتلندي.

ولم تكن الإشارة غير المباشرة في الرواية لربطه بالتحول نحو التصوف الإسلامي، إشارة دقيقة بل ماكرة، وتحاول إخفاء البعد اليهودي أو التيار اليهودي في التصوف (الزوهار).

-2- إن التحولات الدينية الظاهرية التي عرفتها تركيا لم تتأكد كثيراً في ضوء الدراسات التي كتبت عن باطنية يهود الدونمة.

رائحة الأخويات الروائية

من القواسم المشتركة للأخويات الروائية الحضور اليهودي على نحو أو آخر بما هو مكون أساسي من محاولات التأصيل المستمرة للأديان عموماً سواء تعلقت بالرواية المسيحية أو ببعض التأويلات الإسلامية التي تعرف بالإسرائيليات.

وبعيداً عن المناخات التي ترد بعض التأويلات والمدارس التركية في الحقول التاريخية والمعرفية والدينية إلى يهود الدونمة، فإن رواية قواعد العشق الأربعون حافلة بالترميزات.

والأهم من كل ذلك ما ورد على لسان قاضي بغداد بعد مقابلته مع الدرويش باستخدامه مفردة (الأخوية) مما يفتح الباب أمام تساؤلات عن أبعاد وحقيقة الثقافة العابرة للأديان سواء في قراءة الرواية للدرويش أو عند عزيز زاهارا بعد تحولاته.

فالبعد الإنساني ووحدة الوجود قد يعبران عن أفكار تلامس البوذية أو المسيحية وقد تعبران عن مناخات ماسونية شديدة الصلة بالمحافل اليهودية.

وكان من الممكن الوقوف طويلاً ودون تأويلات عند رسالة الحب والعشق كما كانت فعلاً عند التبريزي والرومي، لولا الخط الدرامي الموازي لعلاقة إيلا مع زاهارا.

فقد كان انتقال الأول داخل الثقافة اليهودية، كما كان انتقال الرومي داخل الثقافة الإسلامية: إيلا بانتقالها من مدرسة المعنى الظاهري في اليهودية إلى الباطنية (الزوهار) والرومي بانتقاله من فضاءات العالم الإسلامي إلى فضاءات المتصوفة والدراويش الكبار.

والفرق كبير بين الزوهار وبين تصوف الدراويش ، فالأول يرتبط بالقبلاة و هي في ظاهر أمرها إحدى طرق الصوفية، وبالتحديد الصوفية الحلولية التي تختلف عن الصوفية التوحيدية، والفرق بينهما أن الحلولية تذهب إلى أن الإله يحل في الطبعية والإنسان والتاريخ، فيما تذهب التوحيدية إلى الإيمان بإله مفارق يتجاوز الإنسان والطبيعة.

ومن الملاحظات الأخرى :-

1. وفق كتاب (القبالة وشفرة التوراة) فالقبالاة هي مجموعة التفسيرات والتأويلات الباطنية عند اليهود، وهي أقرب ما تعني عندهم القبول أو التقبل لتراث السلف اليهودي.

2. إن الإله حسب هذا التصور ليس الإله المفارق المتسامي وإنما إله خفي وحالة انكماش أقرب إلى العدم واللا وجود والقابل التأثير من الطامحين في فيضه وانكشاف أسراره أمامه.

3. وانطلاقا من ذلك جاء ارتباط القبالاة بالسحر والتنجيم والسيمياء والفراسة وقراءة الكف وتحضير الأرواح ولعبة الأرقام، وجميعها وسائل تستخدم لمقاربة الغيب والأسرار.

4. كما تنقسم القبالاة إلى تيارين، الأول، الزوهار، وهي كلمة عربية تعني الإشراق أو الضياء، ثم تيار القبالاة اللوريانية، ”اسحق لوريا“ الذي تجاوز التيار الأول فيما يعرف بتيار الشرارات الإلهية المتناثرة التي تسمح بمشاركة اليهودي الفعلية وليس المجازية مع (الإله نفسه). وبهذا المعنى ارتبطت القبالاة الأولى الزوهار بأسفار الخلق والكون، فيما ارتبطت الثانية بالنهايات والخلاص الكوني..

والخطير في كل ذلك أن قبالاة الزوهار الأولى تخترع صلة مزعومة بين الخلق واليهود باعتبارهم كلمة الله حسب هذا التيار، فيما تتحدث القبالاة الثانية عن الخلاص الكوني باستقرار اليهود في فلسطين وقيام الهيكل المزعوم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com