هل تحرك هجمات باريس مياه الخطاب الديني الراكدة؟

هل تحرك هجمات باريس مياه الخطاب الديني الراكدة؟

تاج الدين عبد الحق

تُذكر إدانات المراجع العربية والإسلامية للأعمال والهجمات الإرهابية، التي تعرضت لها باريس، بردات الفعل، والادانات والاستنكارات الغربية للهجمات والانتهاكات التي تتعرض لها دول عربية وإسلامية.

وباتت العبارات السمجة، التي تتضمنها بيانات الشجب والإدانه، نوعا من إبراء الذمة، أو شكلا من أشكال الخطاب الإعلامي والسياسي الذي لا يقدم أو يؤخر، ولا يغير واقعا أو يبدل موقفا، وهو في أحسن الأحوال، من قبيل “رش السكر على الموت “، عله يصبح مقبولا، وطعمه مستساغا.

هذا الربط نبدأ به، لقطع الطريق أمام أولئك الذين قد يرون في نقد المواقف الأخيرة للمرجعيات السياسية والدينية، نوعا من المجاملة والمداهنة للغرب، وإنكارا لخطابه المنحاز للجلاد على حساب الضحية، وللظالم على حساب المظلوم.

لكن الربط، هذا، حتى لو بدا منطقيا، ومشروعا، ليس مربط الفرس، ولا مقصد الخطاب، فهو لا يستعيد حقا، ولا يدفع باطلا، ورفعه في وجه أولئك الذين يطالبون بتعامل عربي وإسلامي أكثر  نضجا، مع أسباب الإرهاب المستوطن بيننا، أو التصدي للعابر منه، لا يفيدنا في تبرئة أنفسنا من آفة الإرهاب، أو تجميل صورتنا في مواجهة الآخر.

لا يفيد أن نقول أن الإسلام بريء من أفعال المتطرفين الذي يتسترون به، ولا يكفي أن نجتر الأقوال والأحاديث المكررة عن سماحة الإسلام، لتنقية حياتنا من هذه الآفة، وتبيض صفحتنا أمام من لا يلتفت، في العادة، إلى ما “يقوله الصياد بقدر ما ينظر إلى ما تفعل يداه”.

منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، بل وقبل ذلك بسنوات، عندما بدأ موسم عودة العرب الأفغان الذين استباحوا، بعودتهم، دولا عربية كامله وأعملوا فيها قتلا وذبحا، والدعوات تتوالى عن ضرورة مراجعة الخطاب الديني مراجعة جدية، تتجاوز القوالب القائمة على تقديس الموروث مهما كان تافها وفاسدا، وتضيق التفسيير بحدود النص اللفظي الجامد، وليس بمقاصد الشرع، التي تطل على فضاء واسع، يربط الأمة بعجلة الإبداع، ويخلصها من قيد الإتباع.

وقف حراس الجهل، أمام كل دعوة للتجديد، ورفعوا أمام كل محاولة للتغيير، سلاح التكفير وآله الإرهاب، بشكليه المادي والفكري، فقتلوا مرة، وكفّروا مرات.

ظلت العلاقة بين الدين والسياسة، نوعا من الزواج الكاثوليكي، الذي لا تنفصم عراه، وتتشابك خيوطه، فاستفحل استقواء الدين بالسياسة طمعا بالسلطة، وزاد استقواء السياسة بالدين، إما سعيا وراء مشروعية غائبة، أو إتقاء لرياح تغيير عاصفة.

كنا نفترض أن العمليات الإرهابية التي تعرض لها عالمنا العربي، والتي امتدت خارج الحدود حاملة النار والدمار، كافية لتحريك المياة الراكدة.

وراهنا، ونحن نكابر على أن تلك العمليات هي ظاهرة مؤقتة وعابرة، دون أن نفطن إلى أن لها خزان إمداد هائل من البشر والامكانيات، حتى إذا خرجت من القمقم، لتطالب بدور الشريك الكامل، وجدنا أننا أمام وحش كاسر، لا تابع مستأنس.

كانت أمامنا، لسنوات، فرصة كاملة لمراجعة كافة العناصر والعوامل التي ساعدت على نشوء ظاهرة الإرهاب، واستفحالها، وكان يمكن أن يكون الثمن الذي ندفعه اليوم لاستصالها واجتثاثها، أقل بكثير من الثمن الذي دفعناه إلى حد الآن، أو الثمن المنتظر أن ندفعه اليوم من أمننا أو غدا من مستقبل أولادنا.

طبعا، هناك من سيقول بلهجة الواثق؛ العارف ببواطن الأمور أن الإرهاب والتطرف الإسلامي ظاهرة مصطنعة، ووافدة، وأن هناك من أشرف عليها إعدادا وتجهيزا، وأن هناك الكثير من الشواهد والتصريحات الداله على ذلك، وهذا صحيح إلى حد كبير. لكن هل كان يمكن لطهاة الظاهرة أن ينجحوا في إعداد طبخة بهذه الجودة لو لم نوفر لها العناصر والمكونات الأساسية اللازمة لها؟

إذا أردنا أن نتتبع دور القوى الأجنبية في تصنيع ظاهرة الإرهاب، علينا تتبع التاريخ الذي بدأت فيه بذرة الظاهرة، وكيف زرعت؟ وكيف نمت؟ وبأي ماء سقيت؟

عندها سنجد أننا كنا شركاء في كل مراحل هذه الصناعة حتى لو لم نكن ندري، أو لو تغافلنا بقصد أو دون قصد.

إدانة الهجمات التي تعرضت لها فرنسا، لا تعفينا من المسوؤلية الأدبية والأخلاقية، حتى لو أعفتنا من المسؤولية المادية، فما دمنا غير قادرين على تسمية الأشياء بأسمائها، وما دمنا نخشى مواجهة الاستحقاقات التي تفرضها علينا تلك المسؤولية، فإن الإرهاب سيكون القدر الذي يتعين علينا مواجهته، في نهاية المطاف، وعندئذ، لن تكون المعركة سهلة، حيث سيكون الانتصار الوحيد الممكن فيها، هو الهروب والفرارعلى طريقة “أنج سعد فقد هلك سعيد”.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع