عنف أوروبا وكارثة الأصوليات

عنف أوروبا وكارثة الأصوليات

إميل أمين

ما الذي تشهده في أوربا ورأيناه في أسوأ صورة فى فرنسا خاصة الأيام القليلة الماضية؟

الجواب دون تطويل ممل أو إختصار مخل “صراع الأصوليات”، ذلك الصراع الذي لا يقبل التعددية، وعليه فلا بد من أن يقصي طرف الأخر من الحياة ذاتها، أنها إصولية لا تعرف سوى العزل والابعاد، وتنافي وتجافي التعددية التي هي سنة الله في الكون…

لكن السؤال ما الذي يجعل أوربا في عين العاصفة هذه الأيام ؟

باختصار لانها الجوار الجغرافي والديموغرافي للنيران التي أمسكت بالجسد العرب والشرق أوسطى، نيران الدوجمائيات التي إستعرت بنوع خاص في أواخر السبعينات من القرن المنصرم، وقد سخرها أصحاب الأمبراطورية الغربية، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل الأنتصار على العدو الأوحد، المتمثل في الأتحاد السوفيتي، إمبراطورية الشر على حسب الممثل الأمريكي، الذي صار رئيساً…. “رونالد ريجان”.

يدهش المرء من تناقضات المشهد، فالرئيس المسيحي المعمداني “جيمي كارتر”، كان هو من أصدر قراراً في يناير 1979 بتدعيم طالبان الأفغانية في حربها ضد الإتحاد السوفيتي.

وفى ذلك العام تحولت إيران من دولة ملكية إلى دولة إصولية بقيادة الخميني.

في العام نفسه كانت تحولات سياسية مهمة تجري على صعيد القضية المحورية في الشرق الأوسط، أي الصراع العربي الأسرائيلي، فها هو الرئيس المصري أنور السادات يعقد صلحاً مع إسرائيل، بوساطة أمريكية، وأمريكا دولة علمانية الهوية، لكنها دينية الهوى، والسادات كانت له تجربة مع التيارات الإسلامية الأصولية، حين أراد في بداية السبعينات تعزيز حكمه، فاستعان بصفوفهم في الجامعات لمواجهة الإشتراكيين والناصريين، وبذلك وجدنا ضلعين إصوليين مسيحي متمثل في كارتر واسلامي في صورة السادات ، اما مناحم بيجن فقد كان “الأصولي على الأصالة” ممثلا لليهودية .

هل كان للسلام أن يعم ربوع الشرق الأوسط بعد كامب ديفيد؟ كانت النوايا المصرية إيجابية، لكن سياقات المواجهات العالمية بين حلفي الأطلنطي ووارسو قد أخرجت جني الأصوليات من قمقمها، ورأينا القاعدة، والتي تجلت صورتها في مشاهد الحادي عشر من سبتمبر، ثم قاعدة العراق، ولا حقاً ظهرت داعش ولا تزال.

بعد الحادى عشر من سبتمبر وصعوبة الوصول إلى القارة الأمريكية مرة جديدة، بدت أوربا الهدف الأقرب لا سيما وأنها في عيون الأصوليين تحمل وزراً وأثماً تاريخيين فمنها خرجت الحملات الصليبية كما أسماها الغربيون، وحملات الفرنجة كما أطلق عليها العرب.

هل من طريق للحوار مع الأصوليات أم أنها الحرب التي توجع القلب كما قال الرائع أمل دنقل في خالدته “لا تصالح”؟

الحوار هو طريق السلام والأمن والاستقرار، وهو لا يتحقق الأ عبر المفاوضات، والمفاوضات تتطلب تنازلات متبادلة من أطراف أي متحاربين، والتنازلات تقتضي هز ما كان ثابتاً أو بالادق ما كان يبدو أنه مطلق.

من هنا نفهم الحتمية التاريخية والقدرية لمواجهة الأصولية الشرق أوسطية، مع أوربا ذات التراث العلماني، بعد عصور التنوير، لا أوربا الأصوليات الدينية في القرون الوسطى.

هل بات الشرق الأوسط هو مقر ومستودع صراع الأصوليات حول العالم؟

بالقطع إنها موجودة في كثير من بقاع وأصقاع العالم، غير أنها تتضح بشكل مؤلم في العالم العربي والشرق الأوسط بنوع خاص… أنظر… هناك أصوليات إما في حالة حرب، أو أنها تهدد بالحرب، أصوليات في غزة والسودان، وجنوب لبنان وإيران، وسوريا وليبيا والجزائر وتونس، بل أن الوضع في إسرائيل يشير إلى تنامي أصوليات يهودية باتت تنادي بعودة الشريعة الموسوية لتحكم بنى إسرائيل، بالضبط كما تفعل جماعات الإسلام السياسي في هذا الأطار.

لكي نفهم ما جرى وما ستجري به قادمات الأيام في أوربا، لا بد لنا من التوقف أمام كلمات الفيلسوف المصري المعاصر الدكتور “مراد وهبة”، والتي ضمنها كتابه عالي وغالي القيمة المعنون “زمن الأصولية”… رؤية للقرن العشرين” وتحذيره من خطر الأصوليات الدينية، والذي يمكن في أنها مطلقات، والمطلقات بالضرورة في حالة صراع إن لم تكن في حالة حرب، لأن المطلق بحكم تعريفه هو واحد بالضرورة، ومن ثم فهو لا يقبل التعددية، وإذا تعدد فإن مطلقا واحداً هو الذي يشتهي أن يسود.

الذين لفوا الأحزمة الناسفة حول بطونهم في فرنسا، وأندادهم من حملة الكلاشينكوف، ليسوا إلا تطبيقاً واضحاً لمطلق أصولي، لا مجال أمامه، إلا قتل الأخر ولذلك قضى أكثر من مائة وعشرين فرنسي بدم بارد، وبدون شعور بالذنب من قبل قاتله، فهو منذ زمن “هابيل وقابيل”، يظن أنه يقدم قربانا للآلهة على مذبح البشرية الدموي.

هل باتت البشرية في القرن الحادي والعشرين فريسة للاصولية؟ سؤال حيوي والاجابة عليه واجبة الوجود فاما أن تتحد الأنسانية في وجه الدوجمائية التي تفرز لنا التعصب والأصولية والقتل والموت والدمار، وإما أن نرى نازية جديدة أو فاشية متجددة، وفي كل الأحوال إصولية دموية كالتي أغرقت شوارع باريس بدماء الإبرياء… فأنظر ماذا ترى.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع