هل رحل جمال الغيطاني يا ماجدة؟ – إرم نيوز‬‎

هل رحل جمال الغيطاني يا ماجدة؟

هل رحل جمال الغيطاني يا ماجدة؟

محمد الغيطي

وانا في سرادق العزاء رأيت وجوها من كل طبقات المجتمع، رأيت سفراء ووزراء ومفكرين وساسة وشعراء ومتصوفة وعلمانيين وقوميين وشيوعيين وليبراليين، كل أطياف الفكر وكل المتناقضين جميعا التقوا في وداع جمال الغيطاني، ليسوا من مصر فقط، بل من كل الأقطار العربية، رأيت من يرتدي البدلة والجرافت، وايضاً من يلبس الجلباب الصعيدي والفلاحي البدوي والخليجي والمغربي والافريقي.

هكذا كان الغيطاني؛ قبلة للمحبين والمريدين، لديه قدرة عجيبة على أن يزيل أية أسوار بينك وبينه من أول لحظه، هو الصعيدي، ابن قرية جهينة الذي تربى في الحسين وحواري مصر القديمة أو العتيقة كما كان يسميها. لذلك كانت أول مفاتيح العشق المشترك بينه وبين نجيب محفوظ الذي جعله أمين سرّه وحامل الراية من بعده.

نعم، لقد عرفت الغيطاني وانا طالب بكلية الإعلام في جلسة شلة الحرافيش على مقهى ريش بوسط القاهرة، كنت وصديقي إبراهيم عيسى أصغر الحاضرين، وكنا نجلس صامتين لساعات طويلةن وهل لنا أن نفعل غير ذلك في حضور العملاق محفوظ، كعبة الأدب وحوله يطوف الجميع، الغيطاني والقعيد وتوفيق صالح وأحمد مظهر وبقية الحرافيش.

ورغم قرب الغيطاني من محفوظ حد الالتصاق، إلا أنه اختار لنفسه سبيلا مختلفا في الإبداع، مدرسة تنهل من التراث وتعيد صياغته بدأب وتعب ومذاق متفرد، تلحظ ذلك سواء في الزيني بركات أو نثار المحواو شحط المدينة او حتى أدب الحرب الذي ساهم فيه الغيطاني بامتياز مثل حكايات الغريب وغيرها أو أدبه خارج الحلبتين مثل رسالة في الصبابة والوجد وغيرها.

وإسهام الغيطاني في الصحافة الأدبية العربية يحتاج دراسات مستفيضة لأنه صانع أجيال من المبدعين، لكن في رأيي يظل إبداع الغيطاني في شخصه وتعامله الإنساني مع الآخر من اهم ما يميزه، وأجزم أنني لم أره يوما إلا يشوشا، حاضنا لأيه موهبه وساعيا لتوصيلها بر الأمان، وهو نفس الدور الذي كانت تقوم به زوجته الكاتبة ماجدة الجندي التي عانت في السنوات الأخيرة من مرض السرطان، وكان يلازمها جمال في سفريات العلاج ويشاء القدر أن يرحل بعد ان يطمئن على شفائها من السرطان.

ومن اجمل ما كتبت ماجدة أثناء علاجها في نيويورك هذه الكلمات (الآن في تلك اللحظة، بالذات، ازحت المقاعد المحيطة بمائدة الشاي المنخفضة، كنا في بيت محمد في نيويورك، أربعتنا، ماجي وأنت وانا ومحمدً، راسي خال من الشعر، بلا رموش ولا حواجب، قد ممصوص، وجه أصفر؟ كنا عشية المرحلة الثانية من علاج طويل طويل، ليلتها دخلت المطبخ وانت تصيح “ بطلي جبروت “ بصل ايه وطبيخ ايه أنا عازمكم على أحلي مطعم في نيويورك. كنت قد قررت أن أعد عشاء فاخرا أصوم بعده لاثني عشر ساعة. طبقا من ارثي لأمي، واحد من أسلحة المناظرة الفريدة التي لازمتنا منذ وهبنا الله الامتداد علي مدى العمر، ما بين الدلتا والصعيدً، قادمة أنا باصل من المنصورة اجابه جبهة صعيدية جهينية متعصبة انت و اولادك، اشق الجبهة بالضحك واصطناع الغضب، وإعلان الانتصار مني لنفسي، بأطباق الكشك المرصع بالفراخ و البصل المحروق و قارب الشعرية المطعمة بالموزة البتلوو الزبيب والصنوبر. في تلك الليلة اعتزمت غزو الشجن الكثيف الذي غلفنا بواحدة من تلك المعارك.

بعد العشاء انتابك صمت قطعته خطواتك نحو مائدة الشاي العريضة، خلعت النعلين و وقفت وسط ضحكات تفجرت كانت اقرب الي نوبة دفاع ، رفعت يدك اليمني ، فردت اصبعك الشهير، المنذر .. المحذر، الذي لا يبشر الا وبصوت جهوري نطقت باسمي المكتوب في شهادة ميلادي في مرة نادرة “ ماجدة … لازم تعيشي “ ران صمت ثم أجهشت في البكاء.

هلأفشي سرا؟ تطلعت إلى عينيك وقبلت قدميك، قبلتهما وبللتهما بالدموع، قفز الي مخيلتي وران إلى أسماعي خلافنا العاصف، قبل تلك الليلة بعام، كان عاصفا لدرجة بكينا معا، لما امتحننا الله بمرضي واكتشفنا تأخر مراحله، وصممت أنا على ان أعالج هنا، أيامها كنت فائزا بجائزة أبوظبي، مبلغ شعرت أن الله أرسله للستر، وصممت أنا بكل ما أملك من قوى وهددت وتوعدت من الاقتراب من سترنا، و وأضفت الحيلة والرجاء، اللين والعطف، وبالفعل ذهبت الي المعنيين في الطب، وبدأت و تخبط العلاج لصعوبة الوضع، ثم أشهرت في وجهي اصبعك ذات ليلة وقد كنا وحدنا وعلا صوتك وجسدك يرتجف: “ ولو بعت هدومي .. وشحت“ حا تسافري “ لم تكن هي مرتي الوحيدة فلكم قبلتهما مداعبة وأنا اوقظك من غفوة الظهيرة، و كما سوف أفعل الان، علك تستيقظ، ولا تعاود النوم كتلميذ لا ينوي الذهاب الي المدرسة، وأنت المدرسة، وحدي معك، أقبل قدميك، قبل يديك، وانتظر كفك علي راسي، فلا تخذلني، أنا لم اخذلك يوم اشرت إليّ باصبعك ، لبي الله دعاءك “يا طيب القلب “. اه تتذكر ” طيب القلب “هكذا كنت أخاطبك برسائلي الورقيه ثم الاليكترونية، .. من الطيب والطيبة.

امعن النظر واقفة الي غفوتك ، استشعر هدرة بحرك و صفوك ، غيثك وشمسك ، دمعتاك المعلقتان من كد وشظف المشوار ، غضبتك التي لاتتجلي الا عند المساس بالكرامة او الاقتراب مما تسميه ” مرمي القتل ” او منطقة ابداعك ، حنوك، رزقك الذي كان فيه وسيبقي متاحا للبعيد قبل القريب ، مصر المتغلغلة في مسامك ، تقراها بشرا وحجرا ، تاريخا وجغرافيا ، مشوراك من حارة الدرب الاصفر بالجماليه الي ان اعتليت كرسي هنري برستد تعلم الناس عن مصر في جامعة شيكاغو ، احس وخزة سن قلمك ضاغطا علي الورق الفولسكاب المسطر ، تعالي .. هم .. توكل .. اكمل جملتك.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com