لا غالب ولا مغلوب

لا غالب ولا مغلوب

تاج الدين عبد الحق

على قاعدة ”يتمنعن وهن الراغبات“ تعارض واشنطن الدور الروسي الجديد في سوريا. فهي لا تقول ”لا صريحة“ أو ”نعم واضحة“. بل تقف بين هذه وتلك. وهي عندما تعارض تعلم أنها لا تملك البديل، وحينما توافق تخشى من عواقب منظورة، وأخرى غير منظورة على مصالحها في الإقليم، أوعلى دورها في لعبة التوازن الدولي.

غموض الموقف الأمريكي، وفقدان الرؤية الواضحة، وغياب الإستراتيجية الثابتة، هو ما يجعل التحرك الروسي في الأزمة السورية فعالأ ومرنا إلى هذا الحد. ففيما تضرب ميدانيا لمساعدة نظام الأسد، تتحرك سياسيا لجمع الأضداد، لمناقشة حلول سياسية معقدة، من الصعب المراهنة على نجاحها، أو قبولها من قبل أطراف الأزمة وداعميهم.

الاجتماع الرباعي لوزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والسعودية، يشير إلى أن روسيا التي تحضر وحدها نيابة عن كل حلفائها في الأزمة السورية، تملك تفويضا كاملا على شكل، وحدود، وشروط الحل، فيما تبدو مواقف الطرف المقابل الموزعة بين واشنطن والرياض وأنقرة، متفاوتة وتعكس حالة عدم الثقة بالموقف الأمريكي الذي ظل يشهد تذبذبا وتخبطا منذ اندلاع الأزمة وحتى الآن.

والتصريحات الصادرة عن السعودية، والأخرى الصادرة عن تركيا، تشير بوضوح أنهما يذهبان للاجتماع الرباعي، ذهاب المضطر، أو من يحمل شعورا بخيبة الأمل، وقد يدفعان ثمنا أكبر مما يريدان، أو أكثر مما يستحق الطرف المقابل.

السعودية وتركيا تذهبان إلى مائدة المفاوضات وهما محكومتان بالمفاضلة بين موقف روسي قادر تحكمه المصالح، وموقف إيراني مخرب، تحكمه آيديولوجيا مذهبية، قطباها الرغبة في الهيمنة، والسعي للتوسع والتمدد.

والمصالح بمنطق السياسة يمكن تفهمها، والقبول ببعض استحقاقاتها، أما التوسع والتمدد، فهو خطر أمني يهدد استقرار المنطقة وجغرافيتها السياسية وتكوينها المذهبي.

وعلى خلاف كل العناوين التي رفعتها جولات التفاوض السابقة أو الاتصالات السياسية المتواصلة منذ سنوات، فإن وجود أو ذهاب الرئيس الأسد لم يعد فيما يبدو الشغل الشاغل للمتفاوضين اليوم، خاصة بعد كل الوهن الذي أصاب النظام ومؤسساته وبعد هذا  الحجم من الارتهان للخارج، الذي أفقده القدرة على أن يكون طرفا فاعلا في أي تسوية أو تفاوض.

والمفاوضان السعودي والتركي، ومن ورائهما المفاوض الأمريكي يعلمون أن قرارالبقاء أو الرحيل ليس أكثر من فزاعة، تحسن شروط التفاوض وتشكل نتائجه. ولذلك فإن المفاوضات القادمة هي مفاوضات حول الثمن الذي يتعين على الروس دفعه مقابل دور محكوم، أومؤقت للرئيس السوري. وهذا الدور ليس إرضاءً للأسد الذي لا يبدو أن روسيا ما تزال معنية كثيرا ببقائه، لكنه دور تفرضه طبيعة  وحدود وظروف المواجهة في الميدان.

فروسيا تعلم أن بقاء الأسد ولو مرحليا، يحفظ تماسك بعض مؤسسات الدولة السورية وخاصة الجيش، كما أنه يجنب صداما مبكرا مع إيران، التي تعتبرالأسد القناة الوحيدة التي تضمن لها وجودا دائما في سوريا، وتأثيرا مستمرا في لبنان، وما لم يتوفر بديل مقبول يوفر ذلك، فإن طهران، يمكن أن تلعب دورا معرقلا للمشروع الروسي أو معطلا لأي تسوية، أو مخرج.

روسيا تراهن الآن، على دورها المرجح في الحرب أو التفاوض، وهو ما يعطي موسكو قدرة الضغط والتاثير للجم إيران، ومنعها من افساد مسعاها في انجاز تسوية تحقق لها مصالحها، وترضى عنها دول المنطقة. وعندما تتصل موسكو بدول الإقليم والولايات المتحدة، تستثمر ما لديها من أوراق ضغط للجم إيران التي لم تعد فيما يبدو قادرة وحدها على توفير الغطاء الكافي الذي يضمن بقاء الأسد على رأس النظام في سوريا، وبالتالي الاحتفاظ بتأثيرها على لبنان، خاصة بعد أن ظهرت روسيا كعامل حاسم في الميدان.

في المفاوضات المقبلة حول سوريا تسعى موسكو لرسم معادلة ”لا غالب ولا مغلوب“ بين الأطراف الإقليمية عبر تسويات وصيغ لا تلبي بالضرورة، مطالب الأطراف الأساسية لكنها قد ترفع عبء تجاذبات تلك الأطراف عن الجسم السوري المنهك، لا بسبب حروبه الداخلية بل بسبب الخلافات الإقليمية والدولية على اقتسامه على شكل مصالح سياسية وإستراتيجية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة