انتخابات العرب واحاديث الديمقراطية – إرم نيوز‬‎

انتخابات العرب واحاديث الديمقراطية

انتخابات العرب واحاديث الديمقراطية

إميل أمين

على هامش الانتخابات البرلمانية التي أنطلقت الساعات القليلة الماضية في مصر، مكملة بذلك مسار خطة الطريق التي أتفقت عليها جموع الشعب المصري وأيدتها في الثالث من يوليو 2013، يجد المرء نفسه إزاء طائفة من علامات الاستفهام التي تتجاوز مصر وانتخاباتها إلى العالم العربي باتساعه ومسارات الديمقراطية فيه، وهو حديث ملئ بالشجون لو تعلمون.

يمكن القول بداية أن بعض من الدول العربية وقد كانت مصر في مقدمتها قد شهدت فترات ليبرالية في تاريخها السياسي، فالقاهرة عاشت “ ربيع الليبرالية“ غير المغشوش في الفترة ما بين 1922 وحتى 1942، عقدين من الزمان، بدت فيهما إرهاصات حياة ديمقراطية ونيابية سليمة، غير أن هذا شأن لم يكن ليرضي المحتل الانجليزي.

دخلت مصر وبقية العواصم العربية لاحقاً في صراع بين فكرتين قادتا الحركة السياسية في البلاد، لا بل تصارعتا سوية طويلاً جداً، القومية العربية، والراديكالية والاسلامية، وكأن ما بينهما لم يكن موجوداً ما دعا في واقع الحال لغياب حياة سياسية وحزبية قومية، وقد عزز من المفاضلة، الحروب التي علا فيها شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة.

بعد سبعة عقود خيل للناظر أن الربيع العربي كفيل بتغيير الاوضاع وتبديل الطباع، وصدحت الحناجر في الميادين حرية .. حرية، والحرية صنو للديمقراطية غير أن الامر برمتة لم يكن إلا احلام لها أجنحة، ولا تمتلك أقدام على الارض، وحتى ما تستند إليه من دعامات ظن البعض انها من نحاس، في حين صحت الجماهير لتجدها مجبولة من فخار.

بعد اربع سنوات من الربيع العربي، الحلم الطهراني البيوريتاني المختطف لا تزال انتخابات العرب تدور في دائرة مفرغة … ماذا عن تلك الدائرة شكلاً ومضموناً؟

حكماً توارت فكرة القومية، وشهدت العروبة انزياحات، وما عدا ذلك رطانة كلامية لاطائل من وراءها، وبدأ وكأن الفضاء السياسي لا يوجد فيه إلا الاسلام الاصولي، ولك أن تسمي منه ما تشاء، اخوان مسلمين، سلفيين، محافظين ومقلدين، وقي وقت غابت فيه الليبرالية الوطنية والعلمانية بمعناها الايجابي الذي يبدأ من عند فصل الدين عن الدولة، وصولاً إلى النظر إلى النسبي بعين النسبي وليس بعين المطلق.

يذهب المقترعون في عالمنا العربي لاختيار نوابهم وهم رهن لقوى التراث والسلف، وقيود وبراثن الماضي، على تعدد انواع تلك القوى، فليس جميعها ديني طائفي، في عصر المجتمع الأبوي البطريركي، ولم تخطو أقدامنا خطوة واحدة في عصور الانوار التي عرفتها اوربا منذ ثلاثمائة عام على أقل تقدير.

كيف لناخب عربي يعيش حالة من الانسداد التاريخي، وينقصه الوعي الادراكي والمعرفي، التعليمي والثقافي ،أن يضحي قادراً على اختيار نواب ينوبون عنه، نيابة حقيقية، نهضوية نخبوية، لا نهبوية شعبوية.

ثم خذ اليك وربما كان هذا هو بيت القصيد عن أي نواب نتحدث وهل أولئك الذين يخوضون التجربة الانتخابية مؤهلين لها، أم أن لهم في المقعد البرلماني ”مآرب أخر“، لا تتسق وفكر المواطنة أو خدمة الوطن ؟.

تكاد تسيطر على انتخابات برلمان مصر 2015 الجارية الأن، على قدم وساق فكرة واحدة، وهي عزل تيار الاسلام الاصولي وقطع الطريق على برلمان مشابه لبرلمان عام 2012 الذي أطلق عليه برلمان قندهار.

والشاهد أن هذا خيار قد يكون مطروحاً ومطلوباً للكثير من أطياف وأطراف الشعب المصري، غير أن المخاوف الحقيقية تبتدي من عدم وجدد كيانات حزبية قوية لها حضور وفاعلية ونفوذ في صفوف الجماهير، ما يعني أن هناك مجازفة حقيقية تتخفى وراء الصراع البرلماني القادم.

أضف إلى ذلك أن إشكالية المال السياسي تلعب دوراً بالغ الخطورة والضراوة، في شراء ذمم الناخبين، وهو وضع ينسحب على عموم العالم العربي، وليس حكراً أو قصراً على مصر فقط.

هل يعني ذلك أن لا فائدة ترجى ولا هدف يدرك من وراء الانتخابات البرلمانية العربية من الخليج إلى المحيط؟

القاعدة الذهبية أن ما لا يؤخذ جله لا يترك كله، كما أن معيار ”التجربة والخطأ“ قد يكون مفيداً في كل الاحوال، فالامم والشعوب كما الكائن الحي، تحتاج إلى مراحل حتى تبلور كيانا حراً اجتماعياً وسياسياً وعليه تبني ديمقراطيات وليبراليات غير منحولة.

صندوق الانتخابات في واقع الحال ليس اداة أختبار أو أختيار حقيقية، في أجواء غير مؤهلة للحياة الديمقراطية وهو نتيجة، في حين تغيب المقدمة، والتي يتوجب على صناع القرار عربياً الاهتمام بها في سنوات التكوين العلمي والمدرسي الاولى، وعبر وسائل الاعلام التثقيفية والتربوية، لا تلك السطحية التي تقسم شعوب الوطن تقسيماً مانويا بين من معنا ومن علينا.

حاجة العرب الماسة اليوم هي لبناء تصور واقعي يعزز فكرة الديمقراطية عند الاجيال القادمة وهي مهمة لا تقل في أكلافها عن اعلان الحرب ضد العدو، فما بالنا والاعداء كثر بين جنباتنا فقراً وجهلاً، كراهية وتعصباً، سطحية واقصاءاً .. إلى أخر منظومة نفي الأخر السلبية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com