سائق بوذي

سائق بوذي

أحمد مصطفى

في الطريق من المطار إلى حيث أنا ذاهب، استجبت ـ على غير العادة ـ لرغبة سائق التاكسي العجوز في الحديث الذي يبدأ غالبا بأن يسألك ان كنت قادما من مكان لطيف أو أنك زائر أم مقيم .. الخ.

وبعد حوار قصير حول منطقتنا والاستغراب من الصراعات فيها، كان سؤال السائق الانجليزي العجوز: ”هل تلك الصراعات دينية؟“ فرددت عليه بما انا مقتنع به: ”كلها سياسة، حتى من يدعون خوض صراع على اساس ديني ما هم إلا انتهازيون يستغلون الدين في صراعات السياسة والمصالح الدنيوية“.

وافقني الرجل، وانطلق كأنه كان يبحث عن هذا المدخل تحديدا ليسهب في شرح أنه بوذي ويقضي وقتا طويلا في تايلاند.

لم استطع أن أقفل باب الحديث، وفشلت أدواتي التقليدية من الرد بتعميمات حول الانسانية واختلاف البشر في استرسال السائق الذي بدا وكأنه واعظا حول ديانته البوذية والسلام والوئام الذي تجعل اتباعها عليه.

أخيرا، تمكن من حرف الحديث نحو النقيض: السياسة، مستعينا بكليشيهات بلا معنى من قبيل ”كل الاديان، ارضية وسماوية، تدعو اتباعها لمبادئ وقيم انسانية متشابهة“ أو أن ”كل انسان فيه من هذا وذاك“ .. الخ.

المهم، عاد الحوار للسياسة وإن كان السائق البوذي استمر فيه مترددا ومحاولا أن يعظني بين الفينة والأخرى لكن لم يعلق بذهني من كلامه غير مثالا شائعا لدى الانجليز.

في معرض استيائه من السياسة، قال ”هناك اثنان لا يباريهما أحد في الكذب: السياسي ووكيل العقارات“، وهذا من الأمور السيارة في الثقافة البريطاني، إذ يقسم الناس فيها مثلا ”بالموت والضرائب“ باعتبارهما حقيقتان لا مهرب منهما. كذلك يساوي الانجليز بين السياسي ووكيل العقارات في أنه لا يمكن تصديقهما فيما يروجان له.

ما أثار انتباهي بعدما أخذت أفكر في الحديث هو أول ما ذكرت: هذا السائق الانجليزي الذي يقضي وقته ما بين لندن وتايلاند ويهتم بمباريات الكرة وتجمعات الصداقة البوذية وصله أن ”الحروب في منطقتنا دينية“.

بعد تفكير، راح الاستغراب. فنعم، لا يسمع المواطن العادي في الغرب إلا عن ”داعش“ (وقبلها القاعدة) ودولة الخلافة التي اقامتها في سوريا والعراق والآن يتردد اسمها في ليبيا واليم وأفغانستان وغيرها.

ثم هناك إسرائيل، التي أعلنت نفسها ”دولة يهودية“، التي تصور للناس العاديين في الغرب على أنها ”شعب يهودي يعاديه المسلمون من حوله“.

أضف إلى ذلك ”الجمهورية الإسلامية الإيرانية“ التي عادت أخبارها بقوة بعد الاتفاق النووي ودورها في الصراع في سوريا.

طبيعي إذا مع ثالوث داعش/اسرائيل/إيران أن يرى السائق البوذي البريطاني ان حروب منطقتنا دينية، فإعلامنا للأسف يخاطب نفسه ولا يسعى لتغيير تلك الصورة المشوهة لدى الخارج.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com