من السودان الى كتالونيا ..يا قلب لا تحزن !

من السودان الى كتالونيا ..يا قلب لا تحزن !

غادة خليل

في النصف الأول من القرن العشرين ، كان الاسم الرسمي لآخر ملوك مصر “ فاروق الأول ملك مصر و السودان “ حيث كان البلدان يشكلان معا وحدة واحدة هى وادي النيل التى تخضع لإدارة واحدة . وسرعان ما حل فيروس التقسيم و اصبحت مصر منفصلة عن السودان، ثم انقسمت السودان بدورها الى بلدين فيما يسعى الانفصاليون الى تقسيم الدولة الوليدة “ جنوب السودان “ !

الأمر نفسه في بلاد الشام التى انفرط عقدها فيما بعد إلى أربعة بلدان على الأقل، إحداها سورية التي يسعى البعض حاليا الى تقسيمها إلى أربع دويلات : علوية و درزية و كردية و سنية . وفيما تتردد من آن الى اخر – ولو على استحياء – دعوى فصل اقليم النوبة بأقصى الجنوب عن بقية القطر المصرى بحجة اختلافه في اللغة و العادات و لون البشرة عن بقية البلاد ، أظهرت وثائق ويكليكس مخططا أمريكيا لفصل المنطقة الشرقية ذات الكثافة الشيعية عن بقية المملكة العربية السعودية ، في الوقت الذي يجد الامازيغ في بلدان المغرب العربي من يزين لهم الحق في الانفصال بدولة تجمعهم على غرار أكراد العراق و سوريا عملا بمبدأ : مفيش حد أحسن من حد ! .. و كأن العالم العربي الذي شهد من مئة عام اتفاقية سايكس – بيكو المشؤومة التى قسمت اوصاله بين حيتان الاستعمار بقيادة انجلترا و فرنسا ، عاد الآن ليصبح لقمة طرية في فم الاسد الامريكي، و يتكرر السيناريو بتقسيم المقسم و تجزئة المجزأ !

هنا في اسبانيا حيث اقيم منذ سنوات بعيدة ، عادت لتطل برأسها بقوة دعاوى انفصال اقليم كتالونيا الشمالى الثري ، فيما لا يعني ذلك لدي البعض في عالمنا العربي سوى ان الانفصال لو تم فإن نادي برشلونة لن يتمكن من الاستمرار في الدوري الاسباني و بالتالي لن يجد ريال مدريد من يردعه !

ما يمكن أن يحدث -اذا انفصلت كتالونيا بالفعل- هو عودة إسبانيا إلى نفطة الصفر، فعلى ما يبدو ان لعنه دولة الطوائف المرتبطة بحقبة الأندلس سوف تطل برأسها من جديد، رغم المجهود الهائل الذي قامت به الدولة، تحت القيادة الملكية، ليبقي هذا البلد، كما تتمنى الغالبية العظمى، متماسكا ومتضامنا ومتناغما.

ان هذا التحدي الخطير يصعب تخيل أبعاده الجغرافية والسياسية، ليس فقط على المستوى المحلي وإنما كذلك على المستوى الإقليمي والعالمي، فحدث الانفصال، إذا وقع، سوف يكون حدا فاصلا بين الحاضر والمستقبل. بل وشرخ غير مسبوق في البيت الاوروبي المعاصر .

وتقف على الجانب الاخر الدول الأوروبية التي تعي أن انفصال كتالونيا سوف يجلب الكثير من التبعات، كون بين أركانها أقاليم تتمنى الاستقلال. هذه سوف تنظر لما يمكن أن يحدث في إسبانيا، إن حدث فعلاً، كمرجعية سياسية يحتذى بها. هنا يكمن خطر هذه الانتخابات خارجياً، خاصة بالنسبه للدول المجاورة. خطر يمكن أن تكون له امتدادت فعلية إن لم يتم التعامل معه بحذر. دول مثل فرنسا، ايطاليا، بلجيكا، المغرب، الجزائر، تعلم بأن تفتت إسبانيا، هو مقدمة لمشاكل سياسية وعرقية جدية في بلادهم.

الجميع في إسبانيا وأوروبا والعالم سيتابع بجدية نتائج الانتخابات ومجرى الأحداث مثلما يتابع بشغف أي مبارة كرة قدم بين ريال مدريد وبرشلونة. الاختلاف يكمن في أن الخاسر من المبارزة السياسية القادمة ليس هذا أو ذاك النادي، وإنما وطن يعشق اهله الفرح والمرح .. وطن يتدفق فيه ندير الوجدان بشغف و انسياب ..وطن يتدفق في الوجدان مثل موجة عاشقة تأبى الا أن تتكسر على جدران القلب !

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com