الدور الروسي والابتزاز الإيراني

الدور الروسي والابتزاز الإيراني

تاج الدين عبد الحق

بافتراض أن لا تنسيق بين روسيا وإيران في سوريا، وبافتراض أن موسكو مخلصة في نواياها، وأنها لا تريد- كما إيران – دعم بقاء نظام الرئيس بشار الأسد ، بقدر ما ترغب في ضرب التنظيمات المتطرفة، وبافتراض أن جل ما تريده موسكو، هو تهيئة المناخ الميداني لحل سياسي يرضي جميع الأطراف ويستجيب لمختلف التطلعات، فإن من حق الدول العربية المعنية بالشأن السوري التشكيك في إمكانيات نجاح المسعى الروسي، وفي التحسب من النتائج المحتملة له.

فالتدخل الروسي، بالشكل الذي يأخذه، يعيد إلى الأذهان في جانب منه، وبالظروف التي تحيط به ، ذكريات الغزو الأمريكي للعراق، والذي انتهى بأن تحولت القوات الأمريكية الغازية من قوات لتحرير العراق من الحكم الدكتاتوري، وضرب التطرف، إلى قوات احتلال مزّقت العراق، وزعزعت أركانه، ولتصبح بطول المقام، وعنجهية الممارسة، بمثابة رأس حربة، لتمدد إيراني واسع على الأرض وسيطرة سياسية واضحة على القرار.

وكما ساعدت إيران واشنطن في غزوها للعراق إما من خلال صمت –حتى لا نقول تواطؤ– مريب ، يتكرر السيناريو في سوريا بشكل سافر ومعلن ولكن مع روسيا هذه المرة.

إيران التي حاولت عبر خمس سنوات حسم الصراع في سوريا بتدخلها المباشر، أوعبر الاستعانة بحزب الله اللبناني الموالي لها، تجد نفسها مضطرة للتنسيق ميدانيا، مع موسكو بعد الضربات الموجعة التي تلقاها النظام السوري، والتي لاتهدد بقاء الرئيس الأسد فقط بل الوجود والتأثير الإيراني في لبنان وسوريا أيضا.

أما موسكو، فإنها وإن كانت حريصة على مصالحها في سوريا وفي الإقليم، فإنها لا تراهن على هذا النظام، كخيار إستراتيجي نهائي حتى لو دعمته، وقدمت المساندة العسكرية له، وهي مستعدة للقاء دول الإقليم على حلول وسط على هذا الصعيد، والقيام بأي دورفي هذا السياق حتى لو لم تحصل بالمقابل على دعم صريح ومساندة واضحة لضرباتها الجوية.

التنسيق الروسي الإيراني في سوريا، ليس تنسيقا من أجل الحسم والحل، بل محاولة للوصول إلى معادلة بين مصالح إيرانية ترفضها دول الإقليم وتتحفظ عليها وتحاربها، وبين دور روسي تقبل به هذه الدول حتى لو لم تكن أهدافه متطابقة مع أهدافها.

روسيا وإيران تدركان أن التنسيق بينهما هو تنسيق المضطر، وهو وإن بدا في الظاهر منسجما في الوسائل، إلا أنه في العمق يحمل بذور خلافات، تثير الهواجس في المنطقة والعالم.

ويخطيء من يرى أن التنسيق الروسي الإيراني هو تنسيق عسكري فقط. فموسكو عندما تستعين بإيران لتقديم الإسناد البري للعمليات الجوية التي تقوم بها في سوريا، تدرك أن التنسيق حتى لو كان لضرورات الميدان العسكري، له ثمن سياسي لا بد أن تدفعه لطهران حتى لو أغضبت بذلك، دول الإقليم أو حتى لو كانت لديهم تحفظات عليه.

وإيران عندما تقدم إسناداً بريا للضربات الجوية الروسية تعلم أن عليها أن تكون مستعدة للمساومة على حلول سياسية قد لا تكون على مقاس طموحاتها الأساسية المتمثلة في جعل سوريا جزءا من حديقتها الخلفية.

وبين دور روسي يمكن هضمه، ودور إيراني مؤكد رفضه، تبدو الهواجس التي تستشعرها بعض دول الإقليم من التنسيق مع طهران هواجس حقيقية ومشروعة. فدول الإقليم عندما تخشى من تنامي الدور الإيراني في سوريا حتى لو بغطاء روسي، تدرك أن إيران جاءت لسوريا لتنفيذ أجندة أيدولوجية وسياسية مختلفة عن الأجندة الروسية. وما يمكن التفاهم عليه مع موسكو لا يمكن أن يطرح مع طهران.

ومهما قالت إيران عن أهداف دعمها لنظام الرئيس الأسد ومهما حاولت تسويق نفسها كعدوة للإرهاب والتنظيمات المتطرفة، فإن ما تقوله غير مطمئن لا بسبب ما تقوم به في المنطقة، بل لأن وجودها في سوريا هو في الأساس جزء من الإستراتيجية التي تتبعها منذ الثورة الخمينية في نهاية السبعينات والقائمة على تصدير الثورة وفرض السيطرة. والقوات الإيرانية التي يجري تعزيزها ونشرها في سوريا اليوم، تأكيد على أنها تلعب دورا أكبر من حيث المساحة، وأعمق من حيث المضمون، من دور شريك في الحرب على الإرهاب والتصدي لتنظيماته المختلفة.

تنسيق موسكو ميدانيا مع إيران لايمكن أن يكون بديلا عن دعم دول الإقليم، فوجودها في سوريا يحتاج قبل ذلك أو معه، لدعم سياسي إقليمي، لأن ذلك هو الضمان ألا تقع روسيا فريسة لابتزاز إيراني كالذي خضعت له الولايات المتحدة في العراق، عندما بدا أن خروجها من المستنقع العراقي يتطلب تنسيقا مع ألد أعدائها، وهو تنسيق قدم العراق على طبق من ذهب للإيرانيين الذين نجحوا في تسويق كذبة ”الشيطان الأكبر“، لندرك في النهاية أن القصة كلها توزيع أدوار. 

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com