سايكس – بيكو امريكي لاوروبا

سايكس – بيكو امريكي لاوروبا

موفق محادين

رغم أنه من الصعوبة تناول التاريخ ضمن نظام متدرج محدد للحقب التاريخية :مشاعيات، رق،اقطاعيات ، امبراطوريات ما قبل راسمالية، دول قومية صناعية ، ثم انقسامات في اطار امبراطوريات عالمية ارقى (امبراطوريات مالية) الا ان ثمة مؤشرات قوية وواقعية تجعل التحقيب المذكور قاعدة مقبولة لمقاربة ما يجري .

ولقد انحاز العديد من الفلاسفة والمؤرخين لهذه المقاربة مثل افلاطون وفيكو وابن خلدون وشبنغلر، وغيرهم.

وحيث اعتقد العديد من علماء الاجتماع من مختلف التيارات ( الرأسمالية والاشتراكية) ان الدولة الحديثة في اوروبا والولايات المتحدة دولة تمكنت بفضل علاقات الانتاج الراسمالية من دمج كل مكوناتها ورواسبها القومية والاثنية والمذهبية في تشكيلة جديدة، فإن ما يجري لا يؤكد هذا الاعتقاد.

فثمة ما يؤشر على ان الدولة الحديثة في اوروبا وامريكا مثل الدولة الاقل حداثة واندماجا للعناصر السابقة، من حيث قابليتها للتداعي والانقسام ، ومن حيث مرونتها امام مقصات و مشارط التمزيق على اساس قومي او اثني ، ومن حيث التجاذب مع مكر التاريخ ومفارقاته… فها هو شبح سايكس –بيكو ومشارطه التي عرفها العرب جيدا في العقود الاولى من القرن العشرين ، وعرفتها يوغوسلافيا وبلدان اشتراكية سابقة في العقود اللاحقة ، يحوم فوق اوروبا الغربية حيث ولد السيدان سايكس – بيكو في زمن الاستعمار الاوروبي السيء السمعة:-

1. قبل عام كادت اسكتلندا ان تنفصل عن بريطانيا، ولا يستبعد ان تنجح في الانتخابات المحلية القادمة ولها في تجربة جمهورية ايرلندا الجنوبية (قدوة حسنة) تاركة لبريطانيا شريطا متنازعا عليه في الشمال بين (الخلايا الايرلندية النائمة) وبين موجات الانجليز الوافدة.

2. قبل ايام صوتت مقاطعة كاتالونيا وعاصمتها برشلونة لصالح الانفصال عن اسبانيا ، كما يدعو اقليم اسباني اخر هو اقليم الباسك للانفصال ايضا ، بل ان جانبا من دعاة الانفصال في هذا الاقليم يستخدمون العنف في سبيل هذه الغاية.

3. وتعيش معظم دول اوروبا الغربية و امريكا الشمالية مناخات مماثلة ، من فرنسا، الى ايطاليا الى كندا (اقليم كويبك الذي يعتبر نفسه اقرب الى الحالة الفرنسية)، الى قبرص التي كرس التدخل التركي العسكري فيها 1974 انقسامها الى قبرصين (اليونانية والتركية)

4. كما تعتبر سويسرا وبلجيكا حالات مركبة، الاولى باسم الاتحاد السويسري ، والثانية حالة بافر ستيت تجمع ثلاث قوميات كبيرة..

وتعود الفسيفساء الاثنية والقومية في اوروبا الغربية وامريكا الشمالية الى جملة من العوامل القابلة للضغط والتوظيف والانفجار ، والى تباين المقاربات النظرية لمفاهيم الدولة والهوية القومية والاندماج المدني ، والى تداخل الحدود والهويات الناجمة عن الحروب الاهلية والخارجية ، المذهبية والطبقية والسياسية ، وما رسخته في اتفاقية وستفاليا 1648..

فما من مقاربات متوافق عليها حول الهوية القومية ومحدداتها (اللغة كما يذهب الالمان، والارادة كما يذهب الفرنسيون ، والسوق الرأسمالي بالاضافة للغة والتاريخ كما يذهب الاشتراكيون ، وعناصر مثل الثقافة والدين والتكوين النفسي كما عند جماعات اخرى )

ولم تحل حتى يومنا هذا العديد من الاشكالات الحدودية سواء كانت ناجمة عن حسابات سياسية واثنية أو موارد اقتصادية … الخ.

وبالمجمل فإن اوروبا الغربية التي ظنت انها انجزت وحدتها المدنية ودولتها القومية ، في طريقها لعالم يشبه العالم الثالث في زمن الامبراطوريات المالية المتقدمة ، وهو طريق الانقسامات القومية وفدراليات وكونفدراليات بنكهة التعايش عبر الخوف او الاكراه (الديموقراطي) .

وفي كل ذلك ، فإن ميكانيزمات الامبراطورية الامريكية التي اشتغلت من قبل على الشرق الاوسط والبلقان وشرق اوروبا، تشتغل اليوم على دول اوروبا الغربية وتحاول اعادة انتاجها كفدراليات او كونفدراليات سياسية – اقتصادية بقدر ما يشبه الولايات المتحدة بقدر ما تحولها الى مجالات حيوية لها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة