ميسترال مصر .. حرب أم سلام ؟

ميسترال مصر .. حرب أم سلام ؟

إميل أمين

ما الذي يجعل مصر تسعى مثل هذا السعي الحثيث في إطار إعادة تسليح جيشها باحدث الاسلحة القتالية في العالم ، وافضل النظم التكنولوجية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ؟ وهل يعني هذا السعي ان المصريين في طريقهم الى حروب بعينها كما يروج البعض زورا وبهتانا لا سيما في الداخل الاسرائيلي ؟

لعل الداعي لهذا الحديث ، ما شهدته القاهرة في الايام القليلة المنصرمة من توقيع عقد فريد من نوعه بين فرنسا ومصر يقضي ببيع حاملتي طائرات مروحية من طراز ميسترال لتضحى مصر هي الدولة العربية الاولى التي تمتلك حاملات طائرات، حتى ولو مروحية تستطيع العمل خارج حدودها الجغرافية المحلية .

والشاهد انه قبل هذه الصفقة حصل المصريون على قطعة بحرية فرنسية متميزة بدورها ، الفرقاطة فريم ، والتي اطلق عليها اسم “ تحيا مصر ”، وفي توقيت مواكب كانت مصر توقع عقدا اخرا لعدد من طائرات “ الرافال “ الفرنسية المقاتلة ذائعة الصيت .

ليس هذا فحسب بل ان سفير فرنسا لدى القاهرة وعلى هامش توقيع صفقة الميسترال اشار الى ان الصفقة الاخيرة لا تقتصر على حاملتي الطائرات ، وانما سفن قيادة متعدددة المهام ، يمكن ان تحمل معدات اسلحة ، كما انها مجهزة بمستشفى على اعلى مستوى ، واجهزة قيادة تمثل مركز قيادة متنقلا .

قبل الاجابة عن الاسئلة المتقدمة ربما يعن للقارئ ان يساءل :“ ولماذا فرنسا تحديدا ؟

السؤال جيد ويلفت الى ان مصر تعيد من جديد تشكيل جيشها بحيث يحتوي على افضل الاسلحة عالميا من مختلف الاسواق وحتى لا تصبح المؤسسة العسكرية المصرية رهنا لدولة بعينها او طرفا بذاته .

حكما تعلم المصريون الدرس جيدا ووعوه تماما مرتين الاولى عندما راهنوا على الشرق فقط ممثلا في الاتحاد السوفيتي قبل حرب اكتوبر عام 1973 والذي كثيرا ما ماطل في تزويد مصر باحتياجاتها من الاسلحة لعبور القناة وملاقاة العدو .

والمرة الثانية بعد معاهدة كامب ديفيد ، وقد استيقظ المصريون بعد ثلاثة عقود على اشكالية الرهان على تسليح الجيش الامريكي تسليحا امريكيا ، مرة والى الابد ، حتى وان كانت واشنطن ملتزمة بحسب المعاهدة بدعم مصر عبر المعونات العسكرية ، التي اوقفت بعد ثورة 30 يونيو الى ان عادت لاحقا ، لكن الثقة المطلقة كانت قد خرجت ولم تعد .

في هذا الاطار بدات العسكرية المصرية في اعادة توازناتها على الارض بشكل ايجابي وليس سلبي ، اي بمعنى التعاطي مع كل دول العالم دون تمييز طرف او اقصاء اخر ، وليكن التسليح المصري الحديث روسيا ،امريكا ، اوربيا ، صينيا ، او ما شاء له ان يكون ، ما دام يحقق لجيش مصر القوة والمنعة ، ويمنع عن الدبلوماسية المصرية دفع اكلاف المنح والمنع حال الاختلاف دبلوماسيا .

وربما تحمل الصفقات الاخيرة لتسليح الجيش المصري رسالة خاصة للولايات المتحدة الامريكية ، فعلى الرغم من ان احدا لا ينكر ما لواشنطن من فضل في تجديد وتسليح الكثير من انظمة القتال المصرية برا وبحرا وجوا ، الا ان ردات فعل واشنطن منذ ثورة 30 يونيو ربما استوجبت ردا شعبويا ونخبويا وحكوميا مصريا ، مفاده انه فيما مصر تحتفظ بعلاقات جيدة مع واشنطن وتسعى للمحافظة عليها ، الا انها وفي نفس الوقت تسعى لتنويع مصادر سلاحها ، سيما وان العالم اليوم ليس امريكيا بالمطلق .

عودة الى الاسئلة المتقدمة والجواب عليها ، وهنا يمكن للمرء القطع دون تطويل ممل او اختصار مخل ان مصر بحكم تاريخها الادبي وثقلها الجغرافي ووزنها الاخلاقي حول العالم بداية وشرق اوسطيا ثانية، دولة تعرف جيدا كيف تحافظ على تعهداتها الدولية ، وانها يوم تعهدت بالسلام التزمت به لثلاثة عقود ونيف ، بل ان رئيسها يذهب في رؤاه الاستشرافية الى ضرورة ان يلف السلام المنطقة باسرها وليس مصر فقط مع اسرائيل .

غير انه وفي كل الاحوال يبقى السلام من دون قوة تحميه سلام عاجز ، وعليه فان مصر تنظر الى احوال العالم وشوؤن وشجون المنطقة من خلال منظور جيوسياسي واقعي ، يدفعها لتثبيت اقدامها ، لتضحى من نحاس لا من فخار ، وفي وسط تهديدات تحيطها شمالا وجنوبا ، شرقا وغربا ، والعالم لا يحترم الضعيف في كل الاحوال .

تمضي مصر وراء نصيحة ايجابية لفيلسوف الدولة الفلورنسي الاشهر “ نيكولا ميكافيللي ”: “ مواكبة العصر هو التحدي الاكبر في فن الحكم ”.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com