ماذا بعد مخالب الدب الروسي؟

ماذا بعد مخالب الدب الروسي؟

يوسف ضمرة

الحشد الروسي الذي يتزايد كل يوم، ويمضي قدما في مهمته، ليس وليد يوم وليلة. إنه حشد يحتاج إلى تدريبات وإعداد وتجهيزات وطوارئ في مناطق عدة في العالم، إضافة إلى داخل روسيا. هذا يعني أن الاستخبارات الدولية كانت على علم به أو بشيء منه، وهو ما لم يشكل مفاجأة تهز العالم.

هل يمكن القول إن أمريكا سلمت مفاتيح الأزمة السورية كلها لموسكو؟

قبل أكثر من سنة، كتب محللون عن تسليم هذه المفاتيح، ولكن للعثور على حل سياسي للأزمة السورية. حاولت موسكو مرتين بعد ”جنيفين“ ولكن أدوات أمريكا كالسعودية وقطر وتركيا أبت واستكبرت. بل عن الأردن رعى ما سمي بعاصفة الجنوب للوصول إلى دمشق أو محاصرتها، ناهيك عن قيام المجموعات التكفيرية بالتحالف مع العدو الصهيوني، ومحاولة تشكيل جدار عازل بين المقاومة وفلسطين المحتلة في المنطقة الجنوبية.

أصرت أمريكا على التدريب والتسليح؛ أصرت تركيا على الإمداد اللوجستي وتسهيل عبور الإرهابيين، خصوصا أولئك القادمين من القوقاز. أصر لبنان على ما أسماه ـ كذبا ومناورة ـ على النأي بالنفس، بينما أصبحت جرود عرسال معبرا وممرا ومقرا لهذه الجماعات.

على الطرف الشرقي لسوريا، تسلمت داعش المنطقة معظمها تقريبا، وأخذت تدير شؤون البلاد والعباد بالطريقة التي تعجبها، بينما تدّعي أمريكا وحلفها قصف داعش ومحاربتها.

أمام كل ما يحدث، وأمام عجز الجيش السوري وحده عن تغطية سوريا كلها عسكريا، وأمام مخاطر من مثل تدخل إسرائيلي قد يسهل محاصرة دمشق، كان لا بد من الاستعانة بروسيا، التي تربطها بسوريا علاقات استراتيجية منذ عقود.

يعتقد كثيرون أن الغاز والنفط في الساحل السوري يشكلان قاعدة التدخل الروسي. لكن هنالك ما هو أهم على المدى الاستراتيجي؛ فالساحل السوري ظل هو المنفذ الروسي الوحيد على المتوسط، وبفقدانه تفقد روسيا فرصتها الأخيرة في الاستمتاع بالمياه الدافئة. فالوجود السوري على المتوسط، فيل بتشكيل قوة ردع ضد أوروبا أولا، وضد القواعد الأمريكية المنتشرة فيها، ناهيك عن حجم الشراكة الاقتصادية والعسكرية التي ستأتي على موسكو بفائض ثري.

الكل يتحدث الآن عن اليوم التالي، وهو يدرك شكله وطبيعته؛ لا حرب عالمية تنطلق من سوريا. وموسكو التي طلبت من أمريكا إخراج طائراتها من المنطقة، تعرف ماذا تفعل، وقد حسبت ألف حساب لكل السيناريوهات المحتملة، التي قد تشكل خروجا على النص.

موسكو تقول إن أكثر من ألفي قوقازي يقاتلون مع داعش، ومن الأفضل التخلص منهم في سوريا قبل تفكيرهم بالعودة لإزعاج موسكو. وموسكو لن تتدخل في اليمن حاليا، وتترك السعودية تحاول بدعم أمريكي رسم خارطة جديدة لليمن، تضمن السيطرة للسعوديين وحلفائهم على المضائق والثروات.

من المهم الإشارة إلى أن روسيا لا تلعب في سوريا، فلديها أهداف جاءت لتحقيقها، ولن تغادر دون ذلك. ومن المهم الإشارة أيضا إلى أن الدعم الصيني يعطي أمريكا وحلفاءها إنذارا شديد اللهجة، مفاده أن هذا الحلف ليس قائما في مياه المتوسط وعلى شواطئه فحسب، وإنما هو يمتد ليشمل منطقة جنوب شرق آسيا، التي تشكل البؤرة الأكثر توترا في العالم.

ستنتهي روسيا من عملها بتمهيد الطريق للقوات السورية فعادة تحرير المناطق التي سطت عليها الجماعات الإرهابية والتكفيرية، وسوف تنكفئ تركيا لمعالجة الآثار الكردية في جنوب البلاد. وسوف يعاد تسليح الجيش السوري مجددا وبأسلحة حديثة ومتطورة. وسوف تعاد العلاقات بين سوريا وبقية أعضاء العالم العربي بطريقة أو بأخرى. أما فكرة التقسيم التي يتحدث عنها بعض الإعلاميين الأردنيين، فقد أصبحت خلفنا. وهي فكرة رغائبية تنم عن شهوة البعض في ضم دمشق إلى الأردن. وهؤلاء الكتبة هم أنفسهم الذين كتبوا من قبل عن الأردن الكبير وضم قسم من الأنبار وجنوب سوريا إلى الأردن. تمهلوا قليلا فأمامنا بعض الوقت لكي تتضح الصورة أكثر وتكتبوا ما ترونه لا ما تشتهون حدوثه.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com