الوصفة الأمريكية والعلاج الروسي

الوصفة الأمريكية والعلاج الروسي

تاج الدين عبد الحق

الاعتراض الأمريكي على الضربات الجوية الروسية في سوريا، اعتراض أجوف لا يقدم أو يؤخر في مسار الأزمة السورية ومآلاتها. وهو في أحسن الأحوال من باب إبراء الذمة، أو ذر الرماد في العيون. فالكل يعلم أن روسيا لم تتدخل في سوريا عسكريا إلا بعد أن استنفذت الإدارة الأمريكية تجاربها لحل الأزمة، وبعد أن فشلت في العلاج على طريقتها.

الوصفة الروسية لمعالجة الأزمة في سوريا هي نفس الوصفة التي كانت تستخدمها الولايات المتحدة، مع اختلاف في الأدوار وتباين في الأهداف. فهي تبدأ كما بدأت الحملة الأمريكية، بضربات جوية مركزة، بهدف خلخلة بنية الجماعات المتطرفة التي تقاتل في سوريا، لتجهيز المسرح لعمليات برية وصولا لساحة الحلول والتسويات السياسية.

لكن هذا التشابه لا يعني أن روسيا تبدأ من حيث انتهت واشنطن، بل هي تسعى لمقاربة جديدة، حتى لو كانت الأدوات متشابهة، فأمريكا  التي كانت تعد لإنشاء قوة عسكرية معتدلة قادرة على محاربة النظام والجماعات المتطرفة في وقت واحد؛ تبيَّن أنها تحرث في البحر، وأن مقاربتها تفتقد للجدية أو الفاعلية. في حين أن روسيا دخلت للمستنقع السوري وهي تملك وفرة في المعلومات، وجدية في المقاربات. ولذلك جاءت إلى سوريا بعد أن هيأت المسرح السياسي والساحة الميدانية، وبدأت عملياتها الجوية، وعينها على قوة برية جاهزة، لتنفيذ إستراتيجيتها وهي قوات النظام  وقدراته العسكرية.

بالمحصلة موسكو لم تبتعد بأهداف حملتها عن الحملة الأمريكية الفاشلة، فالعنوان الأساسي للحملتين هو ضرب التنظيمات المتطرفة واجتثاث خطرها لا على الإقليم فقط بل على العالم أجمع. وعندما تعلن واشنطن أن روسيا تضرب المعارضة المعتدلة إلى جانب التنظيمات المتطرفة، فهي تعلم أن إعلانها هو أقرب للاستهلاك الإعلامي من الاعتراض الجدي، كما تدرك قبل غيرها أن هذه المعارضة غير موجودة أو غير قادرة وإلا لكانت قد وفرت على نفسها عناء محاولة بناء قوة معتدلة موثوقه، تبين في ما بعد أن بناءها في ظل هيمنة المتطرفين وسيطرتهم الميدانية على كافة مناطق وخطوط المواجهة، غير ممكن.

أهمية العملية الروسية في سوريا، أنها مغطاة سياسيا بتأييد غربي صريح، أو مريح. فالدول الغربية التي كانت تتبارى في التبشير برحيل الأسد وعدم قبول أي دور له في التسوية السياسية للأزمة ، باتت تتبارى في التصريح بأهمية مشاركته في الحل حتى على الأقل بالمرحلة الانتقالية.

وحتى ضمن الإقليم فإن الطرح الروسي يحظى بتأييد نسبي من قوى فاعلة يصل بعضها حد التأييد الصريح، والبعض الآخر بحدود التلميح. وحتى الذين يغردون خارج السرب لا يغردون لأسباب تتعلق بالداخل السوري بقدر ما يتعلق الأمر بالتسويات الإقليمية للقضايا المرتبطة بالأزمة السورية أو تلك التي كانت من تداعياتها.

التمسك الروسي بالأسد هو تمسك مرحلي، وضرورة ميدانية. لكن علاقات روسيا بسوريا أبعد منه إستراتيجياً وتاريخيا، وهي تعلم أن الحياة السياسية السورية في أي حل مستقبلي، لن تكون قادرة على  قبول الأسد، بنفس القدر الذي لن تكون فيه قادرة على استيعاب القوى والتنظيمات التي تطرح شعارات إسلامية، بعد أن أصبحت تلك الشعارات ستارا لممارسات إرهابية عانت منها المعارضة أكثر مما عانى منها النظام.

المشكلة الأساسية التي قد تواجه روسيا الآن هي الوجود الإيراني الذي بات استمراره سببا في إثارة الشكوك حول مآلات التدخل الروسي وما إذا كان سيعزز من دور طهران أو أنه مقدمة لتقليصه.

حتى الآن فإن الوجود الإيراني والقوى الحليفة معه جزء من ميزان القوى الذي تقيس به موسكو دورها في الميدان، لكن من الواضح أن ذلك الوجود قد لا يكون مقبولا عند البدء بالتسويات السياسية والمساومات الإقليمية. فإيران دخلت لسوريا لدعم النظام ومن خلال قنوات وآليات عمل موسومه بوسم النظام ولخدمته تحديدا، الأمر الذي يجعل منها شريكا للنظام، تغنم ما يغنم، وتغرم ما يغرم. أما الوجود الروسي فإنه وإن تحالف مع النظام إلا أنه لأسباب تتعلق بمكانته في الإقليم ودوره في الساحة الدولية، يعلم أن أي تسوية نهائية لا بد أن تتم على حساب الأسد وأنه  لابد أن يدفع جزءا من ثمنها.

وكان الروس واضحين في ذلك فقد أعلنوا صراحة أنهم لا يتمسكون بالأسد كشخص، بقدر ما يعتبرونه ضرورة مرحلية، وهم حتى مع تحالفهم الظاهر معه، لهم اتصالات من الباطن مع المعارضة، ولديهم علاقات مع قوى داخلية يمكن أن تتضح ملامحها عندما ينجلي غبار العملية الحالية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com