أورغازم الحكي في الراويات

أورغازم الحكي في الراويات

وئام غداس

تهدى مها حسن روايتها ”إلى كل النساء الحكويات في بقاع الأرض، اللواتي لم تساعدهن الحياة، على نشر رواياتهن على الملأ، فعشن ومتن في الظلمة“، هاهي تقرر أن تفتح أمامهن باب الحكي الذي هجسن به وسكنهنّ، من أجله لأنه قطعة منهن تريد أن تتحقق، ومن أجلهنّ لأنه نواة وجودهنّ، تقول احدى بطلاتها ”قلت للطبيبة الجنسية إن اللحظات التي أشعر بها بنشوة تشبه الأورغازم، تتحقق فقط عندما أروي.“

لم تبتعد الراويات كثيراً عن فعل القول والخلق والابتكار ولم تطمح إلى حصاد الموهبة، نساء تحكي وتحكي وتدير ظهورهن إلى ما بعد ذلك، ليس مهما من سيسمع، من سيحتفي ويشكر ويشيد ويثني ومن سينبهر ويدفع المال ويطبع ويقيم حفلات التواقيع، كن يشعرن أنه أمر طبيعيّ كالتنفس ومثله شرط وجوديّ، ويرين في الروي حياة أخرى مكتملة الأركان، حياة موازية تمشي بمحاذاة الواقع، واقعهنّ، بل وتتفوق عليه في أغلب الأحيان.

”في البدء كانت الحكاية“.. نعم وقبل الكتب والدفاتر، الحكاية الشفوية المعفاة من قيود التدوين، الكامنة خارج أسواره، تحنّ الكاتبة في هذه الرواية إلى طبيعة موروثنا الجماعيّ الأدبيّ والذي كان شفويا في البدء، تمثل في الحكايا وليس في الكتب، في تبادلها وتسميعها وتداولها عبر مجالس خاصة أو عمومية، فقد اتسمت أزمنة قديمة بوجود ظاهرة ”الحكواتيّ“ في المجالس العامة، وهو عادة بطلها وركيزة من ركائزها الأساسية، ولقد توارثنا جميعا جيلا عبر جيل عددا لا يحصى من هذه الحكايات التي لم يضمها كتاب، الاّ لاحقا بعد عقود من الزمن وفي حالات نادرة شاء بعض الأدباء تجميع بعض السٍّير تخليدا لها، تسترجع مها حسن عادة الحكي في ما يشبه الحنين إلى الأصل، عادة من لحم ودم، وتجسيد بشري للحكاية المرويّة التي تخرج من فم الحكّاء طازجة، حاملة انفعالاتها وتموجات أصواتها، ليس هذا فقط مها تثور على القالب اذ لا تفهم معنى حشر الحكاية بين دفّتي كتاب، نفس الحكاية التي من حقها أن تُحرّف وتتغير وتتلون بل وحتى تنقلب فيها المصائر والمجريات، تثور مها ببساطة على القالب والجمود، وعلى ما أصبحت عليه حال الكتابة المحكومة بالتدوين من خضوع لمتطلبات السوق، وظاهرة ”ما يطلبه الجمهور“، من شروط دور النشر وأمزجة الناشرين، من هواجس الجوائز، وأمراض الكتابة التجارية و“البيست سيلر“، كل هذه الأشياء وغيرها مما أفسد متعة الكتابة ونأى بمراحل عن غايتها الرئيسية ودوافعها.

كتبت ”أبدون“ لترضي رجلاً تحبه تقول لك ”صنعني“، كتبت ليسعد هو وتقول: إذا كانت كل تلك الصفحات إرضاء له، ليدُسها بقدميه إذاً، ليمزّقها، ليفعل ما يرغب بها(…) أحبه نعم أحبه وأشتهيه، وكل ما أكتبه هو تعبير عن رغبتي به، أكتب ثم أنزلق مرهقة في الفراش، متصورة أنه يحضنني، سعيداً بي، بكتاباتي، أكتب لأنال رضاه.“ وكتبت ”لويز“ لاحياء ذكرى صديقتها الأحب وتوأم روحها وذكرياتهما معا في قريتهما ”حور العين“ والقصص التي دأبتا على خلقها واختلاقها، أما في مقهي شهرزاد ستجتمع عدة نساء وسيحتشد المكان ذو الطابع التاريخي بملابسه وأجواءه بحكاياتهن التي لم يفكرن أبدا أن تُعرف أو تُقال لولا سحر الحكي ومتعته والراحة التي يجدنها في الروي عن الواقع أو عن أشياء متخيلة، الخيال الذي يمكن اعتباره عنصر مشترك بين بطلات حسن.

تقسم الكاتبة روايتها إلى ثلاثة روايات، ستبدو للوهلة الأولى منفصلة، وسيتطلب اكتشاف علاقتها ببعضها واتصالها جهداً من القارئ الذي سيكون عليه تجميع أجزاء الحكايات المفككة قصدا كتعبير آخر عن ثورة كاتبتها على الصيغ التقليدية في الروي وككسر بارع للنمطية الحكائية، في لغة بالغة الحساسية تجانب الشاعرية في بعض مستوياتها، وسرد مشوق سيجعلك تمشي مشي المنوّم والمسحور حتى نهاية الرواية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com