حلم أمريكي وهمي في سوريا

حلم أمريكي وهمي في سوريا

يوسف ضمرة

من كان يرى في أمريكا سيدة الأرض، يدرك الآن أن الدنيا تتغير، ولا تسير وفق نهج مرسوم بدقة لا خروج عنه.

فأمريكا التي دربت وسلحت وسمحت لجماعاتها في المنطقة، بارتكاب كل ما من شأنه إسقاط سوريا، هي نفسها أمريكا التي تتقبل شروط روسيا، حتى وإن كان في ذلك كبح جماح رغبات أوروبية عتيقة في المنطقة.

لم يكن في البال أن تصل روسيا في مواقفها من الأزمة السورية إلى هذا الحد. أن ترسل طائراتها وسفنها لحماية سوريا، ومنعها من السقوط في براثن الإرهاب الذي لا يعرف أحد وجهته التالية، وإن كانت المنطقة كلها ملائمة ومحتملة.

هل خسرت أمريكا؟ نعم، ولا أحد يستطيع المكابرة ليقول إن دولة عظمى كأمريكا لا تخسر. لكنها في المقابل لم تهزم بعد. دربت وسلحت ومولت وفتحت مخازن الأسلحة الأمريكية في المنطقة لحفنة من الإرهابيين، لكن ذلك لم يجد نفعا. فقد صمدت سوريا، وكان لهذا الصمود أن يتوج باعتراف دولي بدأته أمريكا نفسها، ثم تبعتها أوروبا المتكالبة على المنطقة، ثم تركيا التي طارت أحلامها بمنطقة عازلة تهيمن فيها على مناطق الأكراد شمال سوريا، وتمنع قيام كيان كردي آخر، إضافة لإقليم كردستان العراق، وحزب العمال الكردستاني، وما يشكله من تهديد دائم ومباشر لاستقرار تركيا.

السفن الحربية الروسية، ثم الصينية التي تبعتها، قالت بوضوح إن على اللعبة في هذه المنطقة أن تتوقف، وإن الإرهابيين الذين هم على حدود روسيا، غير مسموح لهم أن يزدادوا قوة ونفوذا، سواء سقطت سوريا أم لم تسقط. لكن الأجدى بالنسبة لدولة مثل روسيا هو أن الصمود السوري، صار يحتم اعترافا دوليا بشرعية النظام الذي تصدى للإرهاب طوال ما يقارب السنوات الخمس. وهو ما يحصل اليوم، حيث أسقطت أوروبا شرطها القاضي بضرورة رحيل الأسد لحل الأزمة السورية.

لم يكن أحد يعلم الخطط الأمريكية والأوروبية لما بعد سقوط الأسد. ولم يكن أحد يعلم شكل سوريا وبنيتها حين تسقط في يد القوى التكفيرية والإرهابية. وربما لم يكن أحد معنيا بذلك، طالما ستكون الفوضى هي السيد الرئيس والنظام المهيمن. فالفوضى كانت قادرة على إدخال إسرائيل بكل قوتها إلى سوريا، كما فعلت في ليبيا وكردستان العراق من قبل. ولعل التجربة الليبية تقف شاهدا حيا؛ فما من دولة أوروبية تسأل عن مآل الشعب الليبي ومصيره، طالما كان النفط الليبي مؤمنا وتحت السيطرة الأوروبية، وطالما كانت ليبيا قاعدة عسكرية مفتوحة لأوروبا تنطلق منها جنوبا لتأديب بعض المتمردين على التدخل الأوروبي ـ فرنسا تحديدا ـ.

تمكنت روسيا من التصعيد غير المسبوق حتى في أيام الاتحاد السوفييتي. فروسيا اليوم ليست ذلك الاتحاد الذي كان مهتما بقضايا السلم العالمي أكثر من اهتمامه بمصالحه فسقط. روسيا اليوم دولة قومية لها مصالح كبرى، ولن تقوم بالتفريط بها مقابل ما يسمى بالسلم العالمي. فلا أحد قادر على خلخلة هذا السلم، طالما كان سيرتد عليه الخلل بشكل أو بآخر. أي عن أي تصادم دولي في المنطقة، يعني تعرض الجميع للخسارة، وهو ما لم تكن أمريكا تحلم به من قبل، خصوصا بعد أن منيت بخسائر فادحة في العراق، وهي معرضة للمزيد من الخسائر بالوجود الروسي الجديد في المنطقة، والتحالفات القوية التي ينسجها الروس مع الصين وإيران، علاوة على دعم مجموعة البريكس التي تبدو في طريقها لإحداث فرق نوعي في النظام الدولي القائم.

أجل، أهون الشور هو أن تتورط روسيا ـ كما تظن أمريكا ـ لكن تجربة الروس في القوقاز، والتطور العسكري الهائل الذي شهدته روسيا، ومساعدة الجيش السوري وحلفائه، ستجعل من هذا الحلم الأمريكي مجرد وهم ليس أكثر. ففي النهاية سوف تغلق الحدود أمام الإرهابيين، ولا يكون أمامهم سوى الاستسلام أو الموت. وحينها ستقول روسيا“ تعالوا لكي نتفاوض على شكل المنطقة من جديد، بعيدا عن سايكس بيكو، وأحلام بعض الدول في المنطقة“.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com