المعارضة السورية والمؤامرة الكونية

المعارضة السورية والمؤامرة الكونية

المصدر: تاج الدين عبد الحق

تستخدم المعارضة السورية الآن، نفس المصطلح الذي استخدمه الرئيس بشار الأسد في مستهل الأزمة، حين كان يصف ما يحدث في بلاده بأنه ”مؤامرة كونية“ على سوريا.

بالمصطلح نفسه تصف المعارضة السورية التطور السياسي والميداني الذي يحدثه التدخل الروسي الجديد في سوريا، والذي يبدو أنه لايقلب موازين القوة في الميدان فحسب، بل في أسلوب التعاطي السياسي الدولي مع الأزمة.

فالمعارضة التي ظنت أن الضربات الموجعة التي وجهتها للنظام في السنة الأخيرة قربتها من الحسم، فوجئت، على ما يبدو، بتغير المزاج الدولي من حالة الرفض التام لأي دور للرئيس الأسد في أي تسوية، إلى ما يشبه الإجماع بأن الحل لا يمكن أن يتم إلا بالشراكة مع النظام ومع الأسد بالتحديد.

ولم تجد من توصيف لهذا التغير الشامل، إلا استعارة مصطلح النظام الأثير وهو ”المؤامرة الكونية“، ولكن على المعارضة السورية هذه المرة لا على نظام الممانعة، كما في السابق.

هذا التطور الجديد في الموقف الدولي وحتى الإقليمي لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ منذ أن ظهرت صعوبات في تأهيل معارضة معتدلة؛ قادرة على ملء الفراغ الذي يمكن أن يحدثه سقوط النظام.

وكان واضحا أن الوهن والضعف الذي بدت عليه المعارضة المعتدلة، قابله توحش القوى المتطرفة وتسيدها للمشهد الميداني للدرجة التي تهمّشَ فيها دور قوى الاعتدال السورية، وللمدى الذي باتت خطرا حقيقيا على المنطقة والعالم خاصة بعد الفظائع التي ارتكبتها تلك القوى في العراق وسوريا.

وبدلا من أن تلملم المعارضة السورية ”المعتدلة “ نفسها، لمواجهة تلك المتغيرات وتعدل استراتيجيتها في مواجهة التطورات الميدانية والسياسية، دخلت في مواجهات غير متكافئة مع القوى المتطرفة أفقدتها تأثيرها الميداني من جهة، وقدرتها في أن تكون البديل المضمون، الذي يمكن المراهنة عليه، من جهة ثانية.

وجاءت فضيحة تدريب من وصفتهم الإدارة الأمريكية بالعناصر المعتدلة، لتكتب الفصل الأخير في مسلسل البحث عن معارضة مستأنسه، قادرة على تصفية جيوب التطرف وأوكار المتطرفين، ومؤهلة لأن تكون البديل المحتمل للنظام.

وكان الواضح من هذا الفشل الذريع، أن قوى التحالف المناهض لنظام الرئيس الأسد تتعامل مع الأزمة بمنطق التجربة التي تحتمل الخطأ والصواب، فكانت تتقدم خطوة وتتراجع خطوتين، وفي كل مرة كان التراجع مكلفا من الناحيتين السياسة والعسكرية.

في المقابل، فإن روسيا التي أعلنت منذ البدء وقوفها مع النظام السوري، وقدمت له الدعم والمساندة، كانت تتحرك بمرونة سياسية وتنشط ميدانيا، فعلى الرغم من العلاقة التاريخية الطويلة بين روسيا والنظام والمصالح الاستراتيجية التي تربط بينهما، فإن موسكو لم تضع، كما الغرب، البيض كله في سلة الأسد، ففتحت الباب أمام المعارضة التي ظنت أن فتح الباب الروسي هو تعبير عن ضعف النظام في دمشق، ومحاولة لإنقاذه.

وبدلا من تلقف اليد الروسية الممدودة، تعاملت قيادة المعارضة باستعلاء غير مبرر مع طروحات موسكو، وتصرفت مع تلك الطروحات كما لو أن الكرملين يأتمر بأمر الأسد، وينفذ تعليماته.

ظلت أولويات المعارضة السورية منذ 2011 ثابته لم تتغير، ولم تترك لنفسها أي هامش للمناورة، واختزلت في رحيل الأسد، وإسقاط النظام، أولا، وكأن هناك ما يمكن التفاوض عليه بعد ذلك.

كانت المعارضة تتشدد سياسيا لا استنادا لإنجازاتها الميدانية بل لما تحققه القوى المتطرفة دون أن تنتبه إلى أن ذلك يجعلها رهينة لتلك القوى، وأسيرة لمواقفها.

اليوم يتبدل المشهد السوري بالكامل، تدخل روسي حاسم بغطاء دولي، وأجندة سياسية متكاملة. وما لم تستطع موسكو تسويقه لدى المعارضة عبر مراحل الأزمة المختلفة، وجدت له سوقا رائجة في عواصم القرار الإقليمي والدولي، التي لم تعد تتخوف من التنظيمات الإرهابية السورية فقط، بل من تدفق اللاجئين عبر الحدود إلى أوروبا مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية ومخاطر أمنية.

وعندما تطرح روسيا نفسها كشريك ميداني في الأزمة السورية، تدرك أنها الوحيدة القادرة على تحقيق معادلة الحل الممكنة حتى لو كانت تلك المعادلة غير مقبولة، أو عليها بعض التحفظات.

الاعتراضات الغربية اللينة، هي مباركة ضمنية للتدخل العسكري الروسي الذي يقترب من أن يكون جزءا من التحالف الدولي، وإسقاط الأسد لم يعد يشكل هدفا، بل إنه ربما يكون حصان طروادة الذي يعتليه ذلك التحالف للدخول بريا إلى الداخل السوري ومواجهة وتصفية قوى التطرف متعددة الجنسيات، بعد أن أصبحت خطرا يتحسب له الجميع، ويخشى من امتداد شروره لا في المنطقة فحسب، بل للعالم أجمع.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com