خاطرة الرحمة

خاطرة الرحمة

وئام غداس

سؤال بلا جواب، وعلى طريقة الدمية الروسية الشهيرة ”ماتريوشكا“ حيث تتوالد الدمى، واحدة تخفي بداخلها واحدة، بعض الأسئلة تبقى أيضا معلقة بلا أجوبة، تتوالد فيها الأفكار، فكرة تخفي بداخلها فكرة أخرى، هكذا إلى ما لا نهاية.

من بين هذه الأسئلة، سؤال كبير حول ظاهرة الإنتحار، إقدام المرء على وضع نهاية لحياته، كيف يمكن تفسير الطقس المصاحب لهذا الفعل، لحظة ضعف أو لحظة قوّة؟ والذين لم يتبقّ لهم في العالم ما ينهضون لأجله كل يوم فقرروا مغادرته هل هم شجعان أو جبناء، حتى الآن لم نتفق على إجابة واحدة، بل قل أن أغلبنا لم يجدها.

قبل انتحاره بفترة وفي أحد حواراته الصحفية، وصف الكاتب الهولندي يوست زفاخرمان الإنتحار بأنه خاطرة الرحمة التي بامكانك أن تهرب إليها دائما، عندما لا يقدر شيء على مواساتك، وإلى خاطرة الرحمة هرب منذ أسبوعين زفاخرمان، هروب نهائي وبلا رجعة وليس من الصعب فهم أن يكون انهاء الحياة بمثابة الخلاص لدى أحد، وفعل من قبيل الرحمة للكائن الذي يتعذب بصمت في ركن مظلم في الحياة، ومهما بلغت المحاولات يبقى اليأس وحشا ضاريا وأعمى، سوء فهم نفسية المنتحر هو السبب المباشر في ما لحق الانتحار من أحكام قاسية ارتبطت بالضعف والهشاشة من منظور أنه هروب من مواجهة صعاب الحياة، وارتبطت بالكُفر فليس من حق الإنسان التطاول على الذات الالهية بمشاركتها أعمالها ذلك ان الله هو الذي يمنح الحياة وهو الذي يفنيها، هو الذي يحيي وليس لغيره أن يميت لهذه الأسباب أدانت كل الأديان فعل الانتحار وحرّمته وتوعدت المنتحر بأشدّ العقاب، ليس هذا فقط اذ اعتبر الانتحار فعلا لا أخلاقيا إلى حدّ جلب العار في مجتمعات وأوساط كثيرة مع أنه يحمل أسبابه بداخله، يأتي حاملاً أعذاره ومنطقه الخاص، لكنها تبقى في حكم المجموعة غير كافية.

الانتحار قديم ارتبط على مر العصور بالحياة فهو الرغبة بنقيضها، وعلى امتداد حقب زمنية اختلفت طرق النظر إليه، منها ما كان وليدا لظروف معينة، حولته في بعض الأحيان إلى طريقة مشرّفة في الخلاص والتحرّر فامتدحه كتّاب وفلاسفة كثر، اذ ابان انتهاء الثورة الفرنسية، عندما عاد النبلاء للانتقام من الثوريين باعدامهم ودحرجة رؤوسهم فوق المقاصل في الساحات العامة، وعادت للمجتمع مظاهر زيف الطبقات الثرية

ومحافل القصور والبذخ، اعتبر بلزاك أن الانتحار هو تعبير راقٍ عن الحزن، وردّ طبيعيّ بل ومشرّف للمقاتلين في سبيل العدالة ولمّا انتصرت الملكية لم يكن أمام هؤلاء سوى المغادرة بكرامة، دوستويفسكي اعتبره مقاومة ضد طغيان واستبداد القياصرة في روسيا ، فقال على لسان أحد أبطاله: “ أقتل نفسي لأؤيد حريتي“، ووصفه نيتشه بأنه موت إراديّ فيما قال الكاتب الفرنسيّ موريس باريس أن الانتحار هو الإعتقاد أن هناك شيئا جادّاً في العالم، وأخيرا أطلق عليه الهولندي يوست زفاخرمان وصف ”خاطرة الرحمة“.

المفارقة فعلاً أن شخصيات مرموقة كثيرة اقترفت فعل الانتحار، مرموقة من حيث المكانة الاجتماعية وما تداول حولهم من رجحان في العقل واستقامة في السلوك، من بينهم أدباء كثر، وشعراء وفنانين، هؤلاء ضربتهم محنة فقدان الأمل من الحياة، وخصلة هذه المحنة أن بإمكانها ضرب الجميع بقطع النظر عن أي اعتبارات تفرّق بينهم، لذلك سيكون من غير العدل وربما من العبث أخذ اليأس حد انهاء الحياة على محمل

التقييم أو وضعه في ميزان أخلاقيّ، ليس ثمة ماهو أكثر لا أخلاقية من الحزن، ولا ارادة تعلو على ارادة الحياة سوى ارادة الموت، وهذا لا يحتاج إلى محكمة قدر حاجته إلى التسامح والتماس الأعذار.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com