العرب والنازية… تبديد الأوهام

العرب والنازية… تبديد الأوهام

إميل أمين

مع انقضاء سبعة عقود علي الحرب العالمية الثانية لاتزال هناك علامات استفهام عالقة عبر التاريخ تتصل بالعرب وموقعهم وموضعهم في تلك الحرب العالمية، وكذلك تحالفاتهم شرقا وغربا والتى كثر الحديث من حولها، بل تحولت إلي مادة تاريخية لظلم العرب أدبيا ومعنويا.

بالقطع نحن نتحدث عن الأكاذيب والافتراءات التى روجت وتروج بشأن تحالف العرب عامة والفلسطينيين خاصة مع نظام الفوهوور ”أدولف هتلر“، والترويج لإشاعات مغرضة وصلت حد القول أن العرب وجدوا في الزعيم الألماني مثال جيد للقائد والبطل، وأنهم أطلقوا عليه اسم ”الحاج محمد هتلر“ .

وفي هذا السياق أيضا روج البعض زورا وبهتانا أن الألمان وبخاصة هتلر قد اعتبروا مفتي القدس الحاج أمن الحسني رجلا ينتمي إلي ”الجنس الآري“ الألماني، بسبب شعره الأصفر وعيناه الزرقاوان.

هل كان الألمان حقا حلفاء للعرب يسعون إلي مساعدتهم في الخلاص من ربقة الاستعمارة الإنجليزي أو الفرنسي؟

المؤكد أن من يطلع علي كتاب المؤرخ البولندي ”لوكاز هيرزونير“، عن ”الرايخ الثالث وعرب المشرق“، يدرك أن في الأمر خدعة، وأن الألمان لا ينظروا إلي العرب إلا نظرة لوجستية براجماتية، كان هدفها الوحيد استغلالهم من أجل مواجهة دول الحلفاء، والتعجيل بالانتصار الكبير.

في صفحات الكتاب المشار إليه نجد خططا ألمانية تهدف إلي احتلال إيطاليا لقناة السويس علي سبيل المثال، ومع ذلك نجد رسالة من الألمان والإيطاليين للمصريين تقول، أن قوات المحور المسلحة سوف تدخل مصر لا باعتبارها بلدا معاديا، بل لطرد الإنجليز من الأراضي المصرية، ومواصلة العمليات الحربية ضد انجلترا، وتحرير الشرق الأدني من الحكم البريطاني، وتستلهم سياسة دولتي المحور (ألمانيا وإيطاليا) مبدأ مصر للمصريين.

هل كان لأحد أن يثق بهذا الكلام؟ وهل يختلف في مبناه ومعناه عما سمعناه مؤخرا (مارس 2003) حين قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق؟

المؤكد أن قوي الاحتلال والإمبريالية الغربية تبقي دائما وأبدا لديها نفس النظرة للعرب، وهذا ما كان عليه الألمان، ولعل كافة محاولات قادة الثورة الفلسطينية في أوائل الثلاثينات من القرن المنصرم قد خبروا هذه الحقيقة، لاسيما بعد أن أخفقت ألمانيا في وقف تيار الهجرة اليهودية من الدول الأوربية إلي فلسطين، وقد جرى الامر قبل محارق هتلر والماسي التى تعرض لها اليهود في أوربا.

هل كان هتلر ينظر نظرة سليمة قويمة للشعوب العربية؟

بالقطع لم يحدث هذا يوما ما، فالذي أطلع علي الفلسفة الجنساوية لهتلر أي ترتيب الأجناس البشرية لدي هتلر بحسب أهمية البشر، يدرك أنه وضع العرب في سلم متدني جداً وقبل الهنود بقليل، والمؤلم إنسانيا أنه وضع القرود قبل الهنود في ذاك الترتيب، وحتى اضطهاده لليهود لم يأت بفائدة علي العرب أو الفلسطينيين، بل أن بطولات عديدة ينبغي أن نذكر بها الأجيال العربية الشابة، قامت بحماية يهود كثر من المحرقة في سائر الأقطار العربية.

ولعل الباحث المحقق والمدقق يدرك أن كثير من التصريحات التى أدلي بها الزعماء والمسئولين الألمان كانت تقلل من شأن العرب، وتختصم من قيمتهم، وتبرز أسوأ ما في صفاتهم، وتبشع ما شاء لها التبشيع في سلوكهم السياسي، وتخلص إلي الاعتقاد بعدم قدرتهم على إقامة دولة وتنفي عنهم أمكانية أخلاصهم أو وفائهم كحلفاء في الحرب أو بعدها لدول المحور.

لقد حاولت أصوات ألمانية عديدة أن تقطع وعودا للعرب من أجل الحصول علي دعمهم في الحرب، فعلي سبيل المثال حاولوا الاتصال بملك مصر والسودان فاروق الأول، من أجل تهيئة الداخل المصري لدخول الألمان عبر العلمين غربا، وقدموا لها وعودا عديدة، غير أن كافة تلك الوعود بدت زائفة، ولم يتحقق منها شيء ما قبل الهزيمة وبالطبع بعدها، ومرد ذلك أن الألمان لم يشكوا أطلاقا وفي أي وقت من الأوقات في أن العرب سيظلون تابعين للسيادة وللسادة الأوربيين وخائنين لهم بعد النصر النهائي لدول المحور، بمعني أن الاحتلال الألماني لم يكن سيفرق كثيرا عن الاحتلال الانجليزي أو الفرنسي.

لماذا لم يدرك العرب هذه الحقيقة طوال العقود السبعة المنصرمة، لاسيما علي صعيد السياسات الخارجية والارتماء في أحضان جهات أو بلدان بعينها؟ كيف لم نتعلم درس الاستقلال الحقيقي، الذي يقود إلي النصر الحاسم، استقلال العقل والمعرفة، والإنتاج والنماء، ولا يعني هذا بالضرورة عداوات أو حروب مع العالم من حولنا… لقد فهم الآسيويون الدرس، غير أن ”أفة حارتنا النسيان“، كما يقول أديب نوبل الراحل ”نجيب محفوظة“… فهل من مذكر؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com