شذوذ الأديب وقصائد حب للبيع

شذوذ الأديب وقصائد حب للبيع

محمد الغيطي

وقفت على نهر السين أتأمل سوق الأزبكية الباريسي الأنيق والذي يعد احد اهم معالم الثقافة الفرنسية لانه ليس مكانا لبيع الكتب فقط لكنه تظاهرة. شاملة للابداع حيث يقف الفنان التشكيلي يرسم الوجوه وبجواره احد المؤلفين يوقع كتابه الجديد للقراء واحد الهواة يعزف على ألة الكمان او الساكس.

وكل هذا طبيعي جدا ويوجد مثله في أكشاك الفن اعلى هضبة مومارتر الشهيرة لكن الجديدهذه المرة انني وجدت عددا من طابورا من الفتيات والفتيان على شكل كابلزيقفون امام يافطة كتب عليها اشعارحب للبيع.

سألت مرافقي الكاتب المصري عصام عبد الكريم المقيم بفرنسا عن الموضوع وطلبت منه ان نقترب من المكان فقال لي لازم يكون معاك مزتك )اي عشيقتك وتذهب بها الى الشاعر الجالس امام الكشك وتطلب منه ان يكتب فيها شعرا واصفا جمالها من وجهة نظرك وايضاً واصفا لواعج الشوق المتبادل.

،قلت وهل هذا شرطا ،قال اقترب لاترجم لك الشروط ،اولا لابد ان يكون الحبيبان صادقين في مشاعرهما والشاعر سيكتشف ذلك بالنظر إليهما ،الشرط الثاني الشاعر يكتب من وحي اللحظه واذا لم يلمس صدق المشاعر يعيد النقودللحبيبين ،وثمن القصيدة عشرة اورو والشاعر الذي يؤجر أشعارة للعشاق يحتفظ بنسخة عنده من كل قصيدة يكتبها وكل فترة يجمعها وينشرها في كتاب ويذكر اسماء الزبائن اعلى كل قصيدة.

انه جنون الفرنسيين بالحب حتى قال لامارتين الحب اختراع فرنسي ،ترى لو ان امرؤ القيس كان فرنسيا هل كان سيصل لمحطة الجنون لانه ذكر اسم حبيته علنا وسط قبائل العرب وديارهم.

اعلان الحب عند العرب قديما كان جريمة بينما كان عند المصريين القدماء فضيلة وفي الشعر المصري القديم كان المحبوب يصف جسم محبوبته بالتفصيل ويفخر انها تملك عيونا كالمها وجبينا كزهرة اللوتس وصدرا كثمرتي الرمان وشعرا كشجرة الصفصاف النيلية وسيقانا تلمع في شمس الشروق.

،ولكن بعد الاف السنين حدث مالايحمد عقبا ه وسيطر الفكر المتطرف ووصل الامر في ثمانينات القرن الماضي للمطالبة بالقبض على المفكر الدكتور لويس عِوَض لانه نشر مذكراته او سيرته الشخصية تحت عنوان ( أوراق العمر )واعترف فيها انه عشق وهو طفلا ابنة الجيران وانه تعرض للاغتصاب وعاش تجربة مخالطة الشواذ والتعرف عليهم من قرب.

البعض اتهم عِوَض بنشر الفجور وطالب بالحجر علية وربما هذا مادفع شقيقه الدكتور رمسيس عِوَض أستاذ الأدب الإنكليزي لاصدار كتاب هو الاول من نوعه في المكتبة العربية بعنوان الإبداع والشذوذ ورصد فيه قصص الشذوذ عند مشاهير المفكرين والاُدباء الغربيين مثل الأديب الفرنسي جان جينيه الذي ولد من علاقة سفاح ولم يعرف أبوه ووضعته أمه في دار أيتام ونسب اليها وبعد شهرته كتب اعترافاته التي لاتزال تطبع حتى اليوم واهم ماجاء فيها انه عشق شاب عربي اسمه عبدالله مغربي الأصل ومارس معه الشذوذ وكتب في وصفه اجمل قصائد العشق ومنها( انا وانت جسد واحد ،معك املك الدنيا وبين ذراعيك أذوب في الفردوس ،)والمثير ان عبدالله المسلم شعر بوخز ضميره وانتحر بعد ان كتب رسالة لجان يعتذر له فيها ويعترف انه كان حنونا عليه وكريما معه لكن اي عبدالله كان بشعر انه حقير جدا.

الحادث جعل جان يسقط في هوة الادمان وحاول ناشر كتبه ان يعرض عليه غلمانا اخرين بل انه عرض عليه نفسه وبالفعل رافقه فتره لكنه تركه وهاجر لإيطاليا فانتحر الناشر هر الاخر.

كتاب عِوَض يستعرض شذوذ أدباء اخرين بعضهم كان يعاشر كلبه واخرين كانت لهم ممارسات عبثية مثل بودلير الذي كان ماسوخيا وكان يعشق من يعذبه في الفراش ثم يذهب لمكتبه ليكتب وموتسارت الذي كان يحرق أطراف أصابعه بالنار ليذوق الالم وحتى بيتهوفن الذي كان كفيفا وفي أواخر أيامه كان يلتهم النوته الموسيقيةالتي يسجلهاله خادمه ويحطم اي شئ يمسكه .

وفي النصف الاول من القرن العشرين انتشرتيار فكري يقول ان المعاناة أساس الإبداع كما انتشرت دعاوى تربط بين ادمان المخدرات بأنواعها والابداع واذكر في هذا الصدد الشاعر المصري احمد فؤاد نجم الشهير بالفاجومي الذي كان يعتبر الحشيش غذاء المبدع وهو الذي غير مقولة طه حسين من التعليم كالماء والهواء الى الحشيش اهم من الماء والهواء ،فعلا الفنون جنون.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com