توقيتي أو توقيت الآخرين؟

توقيتي أو توقيت الآخرين؟

أجلس ساهمة ويدي على خدي أفكّر في الساعات الكثيرة كيف ستمضي، عادة لا أنتبه لذلك عندما تكون الفترة بداية أسبوع ما يعني أن العمل سيكون كثيراً، ولكن بقية الأيام تحمل دوما فترات زمنية شاغرة هي ما يدفعني لأن أفكّر في الشخص الذي ارتأى ذات يوم أن ساعات العمل الإدارية يجب أن تكون ثمانية، ليس هذا فقط بل ثمانية بالتمام كل يوم! مع أني أحيانا أضطرّ أن أعمل عشر ساعات وقد لا أنتهي فإني رغم ذلك أمرّ بفترات لا تستلزم وجودي على رأس الوظيفة أكثر من خمسة أو ثلاثة، والحال هذه بأي ساعة عليّ أن أعيش؟ بتوقيت الآخرين أو بتوقيتي؟

 إنها أهمية الأشياء في حياتنا، وليس ما ألصقت به صفة مهمّ، من أجل ذلك أنا ممن لا يدعون سبيلاً للتنصّل من مضيعة الوقت داخل ما يسمى واجباً، كثيراً ما يرى الآخرون أن في سلوكي نقص في الإحساس بالمسؤولية وثمة من يذهب لانعدام محبّتي لما أقوم به، كل هذا لا صلة له بالفلسفة الحقيقية التي اقتنعت بها منذ وقت طويل في تقسيم الوقت والتفكير العملي في مدى جدواه، سيقول قائل ما ذنب أرباب العمل؟ وسأقول أن الآلات وحدها لا تخرج عن الوقت المحدد للقيام بأعمالها، لكني كإنسانة غير مبرمجة على هذا النحو، أقوم بما يجب أن أقوم به ولا أحمل ببطني عدّاداً للوقت، أتقدّم .. أتأخّر.. ما من قاعدة على الإطلاق!

المهمّ فعلاً هو هل قمتَ بواجبك على أكمل وجوهه؟ حسنا.. ماذا فعلت ببقية الوقت؟ لقد أهدرته شاخصا بشاشة كمبيوتر المكتب أو في الثرثرة مع زميل أو في التلفون أو.. أو.. كم من الإنصاف تحمل مثل هذه الهوامش لإنسانيتك، أنت هنا مكبل بأصفاد الساعات الإدارية فيما الحياة تعمل في الخارج.

 تجربتي الصغيرة، تمثلت في مناسبات خروجي قليلا لقضاء أمر ما خارجا أثناء العمل، ما إن أرى الشمس أيام الشتاء أو الربيع، الشارع المكتظ والناس أسقط في حفرة الحزن.. عندما مرض أبي قررت أني لن أتقيد بساعات الوظيفة ومتى فرغت سأخرج لأرعى والدي، كنت أكيدة من صواب الذي أفعله، حياتي الأخرى كانت تحتاجني وبشدة، إذ لا شيء يتساوى مع سهري على راحة أهم الأشخاص في حياتي، مابالك لو كان يقابله وقت فارغ، رؤساء العمل يعرفون الكثير عن الوقت الضائع، لكن أمر حياتك لا يعنيهم، في المقابل يجب أن يعنيك أنت.

الإنسان حياة، حياة مؤلفة من عناصر شتى وما العمل سوى أحد مرتكزاتها، عرفنا جميعا سواء من خلال تجارب خاصة أو عامة معنى قول أن ”العمل أخذني من كذا“، من بيتي وعائلتي وأولادي وهواياتي بل وحتى من نفسي، دراسات كثيرة انتهت أن انشغال أحد الأبوين أو كلاهما كان سببا غير مباشر في انحراف سلوك أولادهم، أو خللهم النفسي، وسببا رئيسيا في غربة أفراد الأسرة الواحدة عن بعضهم البعض، كم مرة سمعنا أن حالة العائلات بل كيان العائلة نفسه كان أفضل في أزمنة سابقة، قبل سقوطنا جميعا في مطحنة إقتصادية جردتنا من كل معنى أو قيمة إنسانية، ما الذي نفعله عدا الخضوع بكل تفاصيل حيواتنا ومن بينها الوقت إلى شروط الوظيفة؟ هل الوظيفة أو المنظومة الإقتصادية والإجتماعية محقّة تماماً في أخذ حياتي مني مقابل الأجر؟ هل أنا أحرّض على الكسل؟ طبعا لا ولكنني أحاول مراجعة مفهوم أن تكون شخصا عاملاً، التقيد المفروض وجه من وجوه العبودية المزوقة وكي ترزح تحته تحتاج جهدا يوميا هائلا، ها أنك تقوم به وفي الغالب دونما وعي.. وتسألني عن سبب الكآبة؟!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com