السويس حكاية مصرية – إرم نيوز‬‎

السويس حكاية مصرية

السويس حكاية مصرية

بدأ حفر قناة السويس عام 1859 وانتهى في ايلول 1869 وافتتحت القناة في تشرين ثاني من العام المذكور ، أما فكرة القناة فكانت فكرة فرنسية في البداية ، للرد على سيطرة الإنجليز على رأس الرجاء الصالح ، وكذلك لتأمين مصالح الاستعمار الفرنسي على طريق الهند الشرقية.

ومن مفارقات الاهتمام الفرنسي بالقناة أنها قبل نابليون ودي ليسبس تبلورت على أيدي عدد من المفكرين مثل، لايبنتز، والسان سيموينين ( جماعة سان سيمون الإشتراكية الخيالية) .

وبالرغم من محاولات نابليون إلا أن المشروع لم يترجم على أرض الواقع إلا عبر العلاقة الوثيقة بين سعيد باشا والي مصر وبين قنصل فرنسا في مصر آنذاك ، المهندس دي ليسبس، والذي نجح في الحصول على أول امتياز لحفر القناة 1854 وكان امتيازا مجحفا بحق مصر وشعبها ، وخاصة نظام السخرة الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من المصريين خلال أعمال الحفر .

وهو ما لاحظه الخديوي التالي (اسماعيل) ونجح إلى حد ما في تعديل هذا النظام قبل أن يغرق ويُغرق مصر معه في الفساد والقروض، وتبديد اموال القناة على اوهامه، وبناء قلب القاهرة على شكل قلب باريس .

ويشار هنا إلى استثناء مهم في هذه الملاحظة، وهو اوبرا عايده للموسيقي الإيطالي (فيردي) والتي أسست لاحقا رغم ما انفق عليها لحركة ونهضة مسرحية وفنية وثقافية كبيرة.

وبالمجمل أدى فساد الخديوي إسماعيل إلى رهن أسهم مصر في القناة والتدخل الأجنبي المالي ثم إلى التدخل العسكري، واستعمار مصر بعد أن دخل الاستعمار البريطاني على خط القناة بعد رفض معروف لها.

فبريطانيا التي تحفظت على فكرة القناة تحولت إلى أكبر دولة مستعمرة معنية تحاول السيطرة عليها، ووصل الأمر بها إلى إرسال قوات عسكرية لقمع ثورة الجيش وحكومة الباردوي- عرابي، التي قاتلت حتى آخر رمق في معركة التل الكبير ، والتي تذكر بمعركة ميسلون والجيش السوري بقيادة العظمة ضد الاستعمار الفرنسي 1920.

وقد اسست وحضرت بريطانيا لهذا العدوان العسكري بالتعاون الكامل مع الخلافة العثمانية، التي سلمتها جزيرة قبرص والقواعد التركية فيها تمهيدا للعدوان المذكور.

هذا عن تاريخ القناة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والصراع عليها بين الاستعمارين الفرنسي والبريطاني وتواطؤ الاستعمار التركي العثماني مع الإنجليز.

أما عن تاريخ القناة في القرن العشرين وحتى افتتاح القناة الجديدة ، فأبرز محطاته: قيام الرئيس جمال عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس (الفرنسية – البريطانية) وتحويل ملكيتها وادارتها للشعب المصري في يوليو 1956 ، وذلك لتمويل السد العالي ، ومشروع كهربة وتطوير الاقتصاد المصري وتصفية الاقطاع ..

وكانت الإدارة الأمريكية قد رفضت تمويل السد العالي وضغطت على البنك الدولي حتى لا يقدم أية قروض وتسهيلات للقاهرة التي لم تكن قد قطعت صلاتها مع الأمريكان، وتحولت إلى الخيار الاشتراكي والعلاقات مع موسكو التي مولت وشيدت السد كهدية من الشعب السوفياتي.

وقد ردت قوى الاستعمار الفرنسي، البريطاني بالتعاون مع العدو الصهيوني على قرار عبد الناصر بتأميم السويس، بشن عدوان ثلاثي على مصر، لقي مقاومة المصريين وتضامن العالم مع هذه المقاومة.

وكان الانذار السوفياتي ورفض الإدارة الأمريكية الاشتراك في العدوان، من العوامل الحاسمة في فشله وانسحاب القوات المعتدية، البريطانية والفرنسية و (الإسرائيلية).

وستمر عقود عديدة على تأميم القناة (1956) وإغلاقها بعد العدوان الصهيوني (1967) ثم عبورها على يد الجيش المصري (1973) وإعادة فتحها بعد ذلك العبور، قبل أن يطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع القناة الجديدة في خطوة تعتبر واحدة من أهم المحطات في تاريخ القناة وتاريخ مصر التي استغرقتها (سنة واحدة) مقارنة بالمدة التي استغرقها الحفر الأول (عقد كامل) وبالمجمل فإن المحطات الأساسية في تاريخ القناة هي ذاتها ما يميز المحطات الأساسية في تاريخ مصر الحديث والمعاصر:-

– فحفر القناة وضع مصر في قلب المشهد العالمي وجعلها واحدا من اهم الممرات الاستراتيجية للتجارة العالمية .

– وتأميم القناة وضع مصر في قلب حركة التحرر العربية والعالمية ، وجعلها هدفا للعدوان مرتين 1956 و 1967

– وعبور القناة في حرب تشرين 1973 أنهى اسطورة (الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر) وخلط الاوراق الإقليمية في الشرق الأوسط

– وهاهو توسيع القناة يعيد مصر إلى المواجهة الإقليمية وعقدة المواصلات التجارية والاقتصادية والسياسية الاستراتيجية الدولية.

– وفي كل ذلك كانت القناة وفي كل محطاتها، جزءا من الأمن الوطني لمصر وعوامل النهوض والصعود والاستقلال.

فمن علاقة شق القناة بالحقبة القطنية العالمية، إلى الصراع عليها في الحقبة النفطية، إلى علاقة تأميم القناة بتمويل السد العالي، إلى عدوان 67 والرد عليه بالعبور، إلى توسيع القناة أوالقناة الجديدة، التي أعادت الاعتبار لمصر ودورها في عالم تشكله الجغرافيا السياسية.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com