أنا ونور الشريف والشاي الأخضر – إرم نيوز‬‎

أنا ونور الشريف والشاي الأخضر

أنا ونور الشريف والشاي الأخضر

المصدر: محمد الغيطي

من الصعب جدا الكتابة بحبر القلم عن نور الشريف، لذلك سأترك حبرالقلب يمخر عباب بحر الذكريات بلا ترتيب او توضيب.

عرفت نور الشريف وانا طالب في كليه الاعلام جامعه القاهرة في السنه الثانيه، كان عمري دون العشرين وأقبلت للمدينة الجبارة، حلمي ان اقرأ اسمي مطبوعا وان أرى وجها لوجه ناديه لطفي ومحمود مرسي ونور الشريف وفاتن حمامه ومريم فخر الدين.

خلال السنوات اللاحقة للتخرج التقيتهم جميعا ولكن لم تربطني علاقة اخوة وصداقة الا بمحمد جابر )الشهير باسم نور الشريف ولكن كيف كان اول لقاء؟

وانا طالب ذهبت له في مقر شركته ( ان بي )لأدعوه لندوة بالكلية واعتذر لسفره للتصوير بالخارج وعدت محبطا ولكن بعد التخرج وكنت صحفيا تحت التمرين طلب مني رئيس التحرير اجراء حوار للغلاف مع نجم كبير واقترحت نور فوافق واتصلت به وقلت له ان لي عنده موعدا مؤجلا منذ عامين وفوجئت انه تذكرني وقال لي بكره نتقابل الساعه الواحدة ظهرا بالمكتب ولَك من وقتي ساعة كامله.

في البوم التالي ذهبت في الموعد وسألني عن اي شئ نتحدث، قلت انا اعرف انك احترفت التمثيل بعد التخرج مباشرة عام 1967 ونحن الان عام 1987 اي مرت عشرون عاما على مسيرتك، مارأيك لو كان عنوان الحوار نور الشريف بلغ سن الرشد في التمثيل: عشرون عاما في عين الشاشه.

لم ينطق مما جعلني اخشى ان أكون قد اخطأت او قلت ماقد ضايقه وأوشكت ان اهيئ نفسي للانسحاب. لكنه فجأه وقف وقال انت ازاي لقطتها انا نفسي كنت ناسي، فعلا انا بالسنة دي يبقالي عشرين سنه بأشتغل ليل ونها وانا أشكرك انك نبهتني، احنا هانبقى أصدقاء وعربون الصداقة هاعملك شاي اخضر بالزعتر، واستمر الحوار حتى حل الظلام ودعاني لتناول الغذاء واشهد انه كان كريما ينافس الطائي في كرمه.

فيما بعد عرفت من زوجته بوسي ان نور عندما ينشرح صدره لأحد يصنع له شاي اخضر بالزعتر، وفعلا كلما التقيته في منزله سواء بشارع لبنان قرب العاصمة في بدايه زواجه او في سكنه الجديد كان يصنع لي الشاي الأخضر بالزعتر وللامانة حاولت ان اشربه كثيرا لكن لن استسيغه، وعبر عشرات الحوارات والجلسات بيننا يمكن تلخيص بعض ملامح من شخصيه نور.

اول ماجعلني اقترب من شخصيه نور انه نشأ يتيم الأب وعندما تزوجت أمه عمه شعر بغصة ومراره لم تفارقه طوال عمره.

وربما لايعرف الكثيرون انه نشأ خجولا وانه كان يفصل العزله مع الكتاب، لذلك لن تجد فنانا في الشرق او الغرب مجمعا للثقافة بمفهومها الشامل والموسوعي مثل نور الشريف. قرأ في الأديان والتاريخ والتصوف والفلسفة والأدب العالمي والعربي ويكاد يكون الممثل الوحيد الذي يحفظ روايات نجيب محفوظ، وقدم له في السينما والدراما مايقرب من عشرين رواية.

نور إنسان كبير، متواضع لم أشهده يوما متكبرا او مغرورا، وكان يسير بسيارته في الشارع ثم يناد ي على عابر سبيل او إنسان يبدو عليه البؤس ويسأله عن مشكلته ولايتركه الا وقد حلها له وادخل السرور على قلبه.

قال لي ذات مره انا دقت الفقر والحزن ولذلك اكثر قضية تشغلني هي العداله الاجتماعية، لايمكن لشعب ان تحرر ه وتعطيه ديمقراطيه وهو جائع، كيف سيفكر.

وقد لابعرف البعض ان نور كان يتكفل بمصاريف الطلبه المتفوقين في الجامعات وحكى لي نقيب الممثلين اشرف زكي انه عرف ان الطلاب السوريين في أكاديمية الفنون يفصلون لأنهم لم يدفع مصاريف الدراسة فقال له أرسل لي كشف بالمطلوب وسادفع لهم الرسوم الدراسية حتى تخرجهم، هم اشقاء وسوريا ومصر تاريخ أمه واحده منذ دوله الوحدة.

اما اكثر فتره رأيت فيها نور محبطا وحزينا فهي عندما حاول ابراهيم سعدة الصحفي المقرب من مبارك تشويهه بسبب فيلم ناجي العلي الذي أنفق عليه نور من ماله وخسر فيه كل مايملكه وأشاع سعدة انه تم تمويله من ياسر عرفات بينما طلب عرفات منع عرض الفيلم لان فيه هجوم على السلطة الفلسطينيه وعلى كل الأنظمة ألعربيه لانها سبب ضياع القضيه.

نور يحتاج لعشرات المدونات للكتابة عنه لكن لي معه موقفان يلحان علي الان، الاول منذ ثلاثة أعوام كنت راجعا من باريس وكان معي على نفس الطائرة حيث كان يعالج ابنته الكبرى سارة وطلب مني اصطحابه لاستراحة كبارالزاور بمطار القاهرة وجلسنا نتذكر بعض الماضي فقال لابنته محمد عشره عمر، وبالغ في وصف شخصي الضعيف وعندما هممنا بالخروج كان معي اكياس عديدة فوجدته يحمل عني ويقول لي هاوصلك لغايه بيتك وفعلا لم يتركني حتى وصلت منزلي.

الموقف الاخر قبل رحيله بعدة أسابيع طلبت ان أراه والتقينا بأحد المقاهي القريبه من منزله ووجدته شاحبا واهنا رغم ان ابتسامته لم تفقد سحرها وصوته لم يفقد بريق حماسه وللعجب شعرت انني أحدث روح نور وعقله المتقد الذي يبهرك بتعليقاته وعباراته التي تقترب من حكمة الفلاسفة، وشعرت انه لقاء الوداع وانه يحس بذلك وصدمني سلامه باليد والاحضان وجعلني أقبله وانسحب لابكي وحدي لانه قال لي يمكن مانتفابلش تاني.

الله يرحمك ياعم نور يا اجمل وأعظم من عرفت في الوسط الفني.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com