يهود مصر ..خونة أم ضحايا؟ – إرم نيوز‬‎

يهود مصر ..خونة أم ضحايا؟

يهود مصر ..خونة أم ضحايا؟

محمد بركة

رغم غرقه في مستنقع المغالطات التاريخية و سقوطه في فخ الاستسهال ، إلا أن يحسب لمسلسل “ حارة اليهود “ الذي سبق أن عرض برمضان و يعاد عرضه حاليا بعدد من الفضائيات العربية أنه فتح واحدا من أشهر الملفات الغامضة في التاريخ المصري الحديث كما فتح شهيتنا لمحاولة الإجابة عن السؤال السؤال الأخطر الذي يتهرب منه ضميرنا الجمعي الوطني : هل كان أبناء الطائفة اليهودية حفنة من الخونة باعوا وطنهم مقابل الالتحاق بجنة إسرائيل الموعودة أم وطنيين أخذتهم الدولة المصرية بذنب بعضهم و اضطهدتهم ثورة 1952 حين نظرت إلى أفرادهم باعتبارهم جواسيس محتملين إلى أن يثبت العكس؟

لنعد إلى البدايات الأولى ..

المؤكد أن اليهود الذين زادت هجرتهم إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل تمتعوا بكل الامتيازات الأجنبية التي استمرت منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر وحتى إلغائها فعليـًا في 14 أكتوبر 1949، بإلغاء العمل في مصر بالمحاكم المختلطة. ومن تسعة آلاف يهودي يقيمون في مصر في عهد محمد علي باشا، ارتفع الرقم حسب تعداد السكان لعام 1898 إلى 25ألف نسمة، ثم زاد في تعداد 1927 إلى ما يربو عن ال55 ألف ، إلى أن أصبح 65 ألف نسمة وفق تعداد عام 1947. ويشير باحثون إلى أن تزايد أعداد اليهود في مصر، في الفترة “ 1897- 1947″ ، لم يكن بسبب التوالد الطبيعي، بقدر ما عاد إلى الهجرة.

مصر بدت إذن في أعين يهود العرب و العالم في النصف الأول من القرن العشرين واحة التسامح التي يجب أن يشدوا إليها الرحال إليها .

وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى – حسبما يذكر الباحث د. ياسر ثابت – تعرض اليهود وغيرهم في الشام لعنف جمال باشا، ففروا إلى مصر لاجئين إليها، حتى وصل إلى الإسكندرية عقب قيام الحرب العالمية الأولى 11 ألفـًا و277 مهاجرًا. وسرعان ما تشكلت لجنة من كبار الرأسماليين من أبناء الطائفة اليهودية وقابلوا السلطان حسين كامل، فبادرت الحكومة المصرية إلى إرسال أحد مفتشي الداخلية لدراسة أحوال هؤلاء المهاجرين اليهود واحتياجاتهم ، ففتحت لهم بمحافظة الإسكندرية مناطق القباري والبلدية في الشاطبي ومبنى الحجر الصحي، ووُضِعَ تحت تصرفهم محطة الورديان ودار المحافظة في رأس التين وغيرهما من الأماكن الحكومية.

ويبدو أن التطور الاقتصادي في مصر كان عامل الجذب الأساسي لقدومهم واستقرارهم بها، فقد ساعدت الامتيازات الممنوحة للأجانب على تغلغل رأس المال الأجنبي في السوق المصرية، والسيطرة عليها. وكانت شريحة غير صغيرة من رؤوس هذه الأموال يمتلكها بعض اليهود، أجانب أو متمصرين.

حرص اليهود، حتى غير المتمتعين منهم بالجنسية المصرية، على إعادة استثمار رؤوس أموالهم في مصر، مستفيدين من مناخ التسامح، ولعبوا دورًا في إنتاج رأس المال الوطني، لكن لصالحهم الشخصي. وقد نتج عن ذلك تملك اليهود نحو ثلث الشركات المسجلة في مصلحة الشركات في ظل الاقتصاد الحر والمفتوح في فترة ما قبل ثورة يوليو.

عاشت أعداد كبيرة من اليهود في مصر ضمن فئة الأجانب وبلا جنسية مصرية، ولم يسع كثير من هؤلاء للحصول عليها إلا بعد قانون الشركات عام 1947 الذي خصص 75% من الوظائف للمصريين.

على المستوى الديموغرافي، زادت نسبة تركز اليهود في مدينتي القاهرة والإسكندرية عن 80%، طوال الفترة من 1897-1948، وذلك لأسباب اقتصادية بالدرجة الأول. وتوزع عددٌ آخر من اليهود المصريين على محافظات الفيوم، وبني سويف، والمنيا، وقنا.

حرص اليهود في مصر على التركز في أحياء معينة، والنأي بأنفسهم عن باقي المصريين. ففي الإسكندرية، تركز 92% من اليهود في أحياء: محرم بك، والمنشية، والجمرك، والعطارين. وفي القاهرة، تركز 72% من اليهود، الموجودين في القاهرة، في أحياء شعبية هى : الوايلي ، عابدين، ، الجمالية، باب الشعرية، وحي واحد راق هو مصر الجديدة .

ويشدد المؤرخون أن حارة اليهود التي تقع بجوار شارع الموسكي الشهير بوسط القاهرة و الذي اتخذ منها المسلسل عنوانا له ، لم تكن أبدًا مكانـًا إجباريـًا مُلزمـًا لسكن اليهود في أي زمان من التاريخ الحديث لمصر.

حتى الآن تبدو العلاقة بين المهاجرين اليهود و السلطات سمنا على عسل ، فهل استمر الحال كذلك فيما بعد ؟

هذا ما سنحاول التعرف عليه في المدونات القادمة .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com