وقود الثورة

وقود الثورة

أحمد مصطفى

اتذكر ايام الصبا والشباب، وكان المد اليساري في الحياة العامة لمعظم بلدان المنطقة لا يزال قويا، اننا كنا نتباهى بهذا الشعار ”نحن وقود الثورة“.

وسرعان ما اكتشفت ان شباب الجماعات الاسلامية ـ وكانت في بداية بزوغها نهاية السبعينيات من القرن الماضي ـ كانوا كذلك ايضا وان اختلف الشعار مكتسيا صبغة دينية. وكأنما هم شباب ”يساري ثوري“ بلحية.

بالطبع لم يكن أحد يفكر في معنى الشعار بشكل عقلاني منفصل، والا فقد معناه وقيمته كشعار حماسي يشعل في شباب الثورة ـ يسارية كانت ام جهادية ـ حمية البذل والعطاء من اجل تحقيق الهدف الأسمى …

لا معنى للاستطراد في لغة تلك الأيام، ولا مشاعر شباب مندفع بقيم يؤمن بنبلها ويبغي النضال/الجهاد من اجلها ولو ضحى بروحه.

لم يفكر أحد كما ذكرت في معنى ”الوقود“، فالوقود يستخدم اما لتشغيل محركات او حتى للطبيخ، ودعونا الآن من المعنى الاستعاري المثالي المرتبط بالثورة.

كان هناك بالفعل من يملك تلك المحركات ومن يشغلها لصالح المالك ومن يساعد في اعداد الطبخة ليأكلها ”صاحب المصلحة“. بالتأكيد كان جميع الشباب يؤمنون بأن ”المصلحة“ لا يمكن أن تكون صفقة (كما توصف الآن صفقات الأعمال المشبوهة، بما فيها تجارة المخدرات).

صاحب المصلحة ـ مثاليا ـ هو الشعب، الجماهير العريضة، البروليتاريا الكادحة، الأمة المغلوبة على أمرها، أو حتى عوام المسلمين ممن لم يفرض عليهم ”الجهاد“ الا كفرض كفاية يقوم به الشباب الطليعي المجاهد.

وباستثناء من يقاومون الاستعمار ـ كما في فلسطين المحتلة ـ كانت تلك المثالية زيت اشعال الوقود (الثوري) لدى الشباب المتحمس.

اما قيادات التنظيمات السرية والجماعات العقائدية فكانت لها حساباتها فيما يتعلق بأمر ”المصلحة“، وتتفنن في الانشاء ولغو الحديث الذي يزيد من كمية الوقود لتكبر ”الطبخة“ حتى تصيب هؤلاء بالتخمة أحيانا. ليس معنى ذلك أنه لم تكن هناك استثناءات، فقد كان من بين القيادات نماذج معدودة تشارك الشباب مثاليته ـ لكن هؤلاء كانوا أيضا جزءا من الوقود (فرع حطب كبير وسط العيدان الصغيرة).

قد ينفع ”الوقود الثوري“ أنه سهل لجماهيره، أو أهله وعشيرته، الحصول على حقوقهم وتحسين أحوالهم في الدنيا أو الآخرة. لكن من أفلت من نار التنور أدرك أن حقيقة مفزعة: السمسرة بدمائهم وأرواحهم من قبل القائمين على الطبخة التي كانوا وقودها.

آمل ـ بحق هذه الأيام ـ ألا يكون لتلك التداعيات تأثير على تقليل كمية ”الوقود الثوري“ لأن أصحاب المصالح متخمون بكثرة الطبيخ وأيديهم تطال من يفضح خداعهم.

ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com