مراكب الموت السوري

مراكب الموت السوري

عمر كوش

بات العديد من اللاجئين السوريين، يفقدون حياتهم، نتيجة حوادث غرقهم في مياه البحر البيض المتوسط، التي باتت تتكرر بصورة لافتة، خلال الأيام والأسابيع الماضية، إذ يكاد لا يمر يوم، أو يومان، حتى يلقى العشرات أو المئات حتفهم غرقًا على متن أحد المراكب، التي تنقلهم من شواطئ تركيا أو إحدى بلدان المتوسط الأخرى إلى اليونان أو إيطاليا.

وأضحت المأساة الإنسانية السورية، التي سببها تعامل النظام مع غالبية شعبه، معروفة الفصول والوقائع، وليست بحاجة إلى جهد كبير لاكتشاف مختلف جوانبها، فهي تتجسد في الموت اليومي، الذي تسببه الحرب الشاملة والقذرة، التي يشنها النظام على المناطق الثائرة، وعلى الحاضة الاجتماعية للثورة السورية.

وتتجسد أيضاً في أضخم حركة هجرة في العالم منذ عقود عديدة، حيث اضطر أكثر من نصف سكان سوريا إما إلى النزوح داخل بلادهم أو اللجوء إلى خارجها.

بات السوريون عالقين ما بين الموت تحت القصف بالبراميل المتفجرة والمجازر، أو بسبب التجويع والحصار، أو غرقاً في مراكب البحر الأبيض المتوسط، وتحت أعين العالم، ووسط صمت المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، الأمر الذي يكشف هول الكارثة السورية، وما تتضمنه من أهوال وعذابات، بعدما أضحت قطاعات واسعة السوريين، من دون أي مأوى يأويهم، أو مورد يرزقهم.

والملفت في وجوه الكارثة السورية، هي أن الموت غرقاً في البحر المتوسط لا يخلّف دماء أو جراحاً، ولا مشاهد فيديو تلتقطها عدسات الهواة، وتتناقلها قنوات التلفزة. ويتم من دون اشتعال نيران أو تهدم ودمار بيوت ومحلات، إذ يموت الغرقى بلا كثير من الضجج، وهم محاطون بالمياه من كل حدب وصوب. وتبدو أجسادهم الهزيلة، عاجزة، وصغيرة جداً أمام أهوال بحر واسع وعميق، كان غالبية السوريون ينظرون إليه عن بعد، بهيبة وتوجس، ولا يتصورون وجود يابسة وراءه، ما دامت يابستهم كانت تقيهم على الأقل مخاطر ركوب مركب غير آمن.

وبالرغم من كل ذلك، لن تثن حوادث غرق مئات السوريين في البحر الأبيض المتوسط، غيرهم ممن ينتظر فرصته في السفر، فضلاً عن الابتزاز، الذي يتعرضون له، من طرف تجار الموت وأصحاب المراكب، ولا ننسى علاقات الوسطاء والمقاولين والمتاجرين بالبشر، بالمافيات الأوروبية والعربية. أولئك الذين يستغلون حاجة اللاجئ السوري إلى ملاذ آمن، يقيه من الموت,

والمشكلة أن الناجي من الموت لن يكون أفضل حالاً من رصيفه الذي مات غرقاً، إذ سيُحجز في أمكان تجمع المهاجرين غير الشرعيين، وستشهد أماكن الاحتجاز ذاتها، لعبة الإقصاء نفسها، التي مارسها النظام الأسدي ضدهم عقوداً طويلة.

وستظهر سفن موت أخرى في عرض المتوسط وطوله، لكن موتهم لن يحولهم إلى إحدى الأساطير الروائية أو الهجائية، ولن يكونوا ركاب سفينة غريبة جانحة، بل مليئة بالبائسين، تتقاذفها أمواج، وتترصدها حيتان البحر المتوسط، ورصاص القراصنة، وعصابات التهريب.

إنها مراكب الموت السوري. لم تصنعها حقائق التاريخ والممارسات الفعلية، بل صنعتها حاجات الهروب من موت إلى موت، وأمل في حياة أفضل لن يكتب له التحقق، إذ سرعان ما سيكتشف الذين نجوا ووصلوا بر الأمان، أنهم في جحيم أوروبا، وينتهي الأمر بهم وراء جدران مأوى للمهاجرين غير الشرعيين في فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا، حيث ينتظرهم النازيون الجدد في كل زاوية وشارع

لقد فقدت مراكب الموت السوري نقطة الإرساء النهائية، بعد أن حوّل النظام الأسدي الموت السوري إلى قدر سيزيفي دائم التجدّد، بتوطؤ عالمي مكشوف، يتجاور فيه كل شيء مع كل شيء في خليط عجيب ومريب. وباتت رحلة ركوب البحر تلعب دوراً في صياغة معنى جديد للمأساة السورية، كي تمنح السوري وجهاً آخر، يكون فيها الموت أو التهجير بؤرة المرور بامتياز، ليصبح الإنسان السوري أسير العبور إلى أرض تجهل عنه كل شيء، مثلما لا يعرف هو اليابسة التي تطؤها قداماه، وكأنه بات بلا حقيقة ولا وطن، إلا في تلك الفسحات بين البراري والصحاري، التي لا يمكنه الانتماء إليها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com